"كورونا" في لبنان للصراع السياسي أيضاً

"كورونا" في لبنان للصراع السياسي أيضاً

 

أكثر ما يؤلم في لبنان، وهو في خضم معركته لمواجهة انتقال عدوى فيروس كورونا إلى مواطنيه، التسييس الذي طاول الموضوع، وتحويل مسألةٍ صحيةٍ في غاية الخطورة إلى موضوع جدل سياسي، غير إنساني ولا أخلاقي وعقيم بين فئتين من اللبنانيين: فئة حمّلت القادمين من إيران مسؤولية انتقال عدوى الفيروس إلى لبنان؛ وأخرى ردّت بحملة شعواء على هذا الاتهام الظالم، واعتبرته في دائرة جهود أعداء حزب الله لشيطنة إيران وتشويه صورتها. في هذه المعمعة من الكلام الفارغ، برز تجاهل الطرفيْن، على حد سواء، وخصوصاً المدافع عن إيران، الخطر الأكبر الذي يتربص بالمواطنين اللبنانيين الذين عادوا من زيارة دينية إلى قم، المدينة الإيرانية التي تأكد أنها مصدر لانتشار الوباء، والخطر الناتج من ذلك على أفراد عائلاتهم ومجتمعهم القريب والبعيد، وهو في الأساس مجتمع المقاومة وحزب الله بصورة خاصة. 

منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها عن إصابة سيدة بالفيروس كانت عائدة من زيارة إلى قم على متن طائرة إيرانية قبل عشرة أيام، تعالت أصواتٌ تطالب بوقف الرحلات من إيران وإليها، والأهم وقف الرحلات الدينية. وبعد مرور أسبوع على هذه المطالبة، اتخذت السلطات اللبنانية قرارها بوقف الرحلات إلى عدد من البلدان التي تشهد انتشاراً للفيروس، منها إيران.

خلال أسبوع، وقف وزير الصحة اللبناني، المحسوب على حزب الله، ليبرّر أمام الناس لماذا أن وزارته ليست المرجع المسؤول عن قرار وقف الرحلات إلى إيران، المكان الذي عادت منه المصابة اللبنانية الأولى. وحاول أن يقنعنا، وهو المسؤول الأكثر اطلاعاً على الواقع الفعلي لكيفية انتقال الفيروس، أن علينا عدم الهلع. والآن، وبعد أن أصبح لبنان نفسه على قائمة الدول ممنوع السفر إليها، اتخذت الحكومة اللبنانية قرارها بوقف الرحلات إلى عدد من البلدان منها إيران، على أمل ألا يكون هذا القرار جاء متأخراً.

إذا كان ما حدث في موضوع فيروس كورونا صورةً عن الطريقة التي من خلالها تعالج الحكومة  

"اتخذت الحكومة اللبنانية قرارها بوقف الرحلات إلى عدد من البلدان منها إيران، على أمل ألا يكون هذا القرار جاء متأخراً"اللبنانية الجديدة، برئاسة حسّان دياب، شؤون اللبنانيين، فإن هذا مدعاة إلى خيبة أمل مزدوجة، وإلى مزيد من القلق على المستقبل.

لقد أثبت أداء بعض أفراد الطاقم الحكومي الحالي أن الولاء السياسي لإيران أهم من صحة الناس، وأن قرارات مصيرية، مثل حماية المواطنين اللبنانيين، من انتشار الفيروس تخضع لحساباتٍ سياسيةٍ ضيقةٍ وكيدياتٍ حزبية. والمخيف أكثر محاولات إقحام الموضوع في الخلاف الإيراني - السعودي، التي أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها معيبة ومُدانة ومرفوضة.

قد يكون ما حدث عينةً عن الأداء الحكومي في موضوعات أخرى لا تقل تعقيداً وصعوبة، بدءاً من معالجة الديْن العام ووقف الانهيار المالي، مروراً بالإصلاحات المطلوبة، وصولاً إلى القيام بتعيينات قضائية وإدارية جديدة. تدل كل المؤشرات على أن الفريق الحكومي أسير الأحزاب التي جاءت به إلى الحكم، وهو لا يستطيع أن يقوم بخطوة من دون العودة إلى مرجعيته الحزبية. وتظهر الأمثلة على ذلك تباعاً، الأمر الذي يزيد من قناعة المنتفضين اللبنانيين بأن حكومة دياب ليست سوى قناع زائف ورقيق يتلطى خلفه الأطراف السياسيون أنفسهم الذين كانوا وراء اندلاع الاحتجاجات الشعبية في الشارع منذ 17أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

تتعاظم الضغوط على لبنان في ظل العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة على شخصيات وشركات مرتبطة بحزب الله، والمطالب الإصلاحية التي ينتظر صندوق النقد الدولي من لبنان القيام بها، لتقديم المساعدة له للخروح من أزمته، والانعكاسات السلبية للأزمة التي خلفها تفشّي فيروس كورونا على الاقتصاد اللبناني الذي يعاني من صعوباتٍ جمّة.

يضع مجموع هذه الاستحقاقات لبنان أمام اختبار حقيقي لزعاماته السياسية، ولضميرهم الوطني الذي يفرض عليهم مرة واحدة وضع نزاعاتهم السياسية جانباً، والتنبه إلى الخطر المحدق بالجميع. إنها دعوة إلى جميع المواطنين الشرفاء، من رجال أعمال واقتصاديين ومثقفين، في لبنان، إلى النهوض والتحرّك لطرح رؤية إنقاذية حقيقية بعيدة المدى، يمكن أن تفتح كوةً في الحائط المسدود. إنها الفرصة الأخيرة للطاقم الحاكم، كي يتحرّك قبل فوات الأوان، وقبل أن ينفجر في وجوهه من جديد.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع