تركيا .. مأزق الشرق والغرب

تركيا .. مأزق الشرق والغرب

بحكم موقعها الجغرافي في قلب العالم، وتماسّها المباشر مع منطقة أوراسيا وأوروبا والشرق الأوسط، حظيت تركيا بمعاملة خاصة ضمن منظومة الحلف الغربي (الناتو)، وخصوصا من الولايات المتحدة. وقد بدأ ارتباطها بالأخيرة عام 1947، عندما أصدر الكونغرس الأميركي، بموجب بنود مبدأ ترومان، قراره أن تحصل تركيا على مساعدات اقتصادية وعسكرية خاصة، من أجل دعمها في مقاومة تهديدات الاتحاد السوفييتي. 

كانت تركيا جزءا أساسيا من الاستراتيجية الأميركية في احتواء السوفييت خلال الحرب الباردة، فقد ساهمت بأفراد في قوات الأمم المتحدة في الحرب الكورية 1950 ـ 1953، وانضمت إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1952، وأصبحت عضوا مؤسسا في منظمة المعاهدة المركزية، وهو حلفٌ دفاعي مشترك، تأسس عام 1955، وتبنت مبادئ مذهب أيزنهاور 1957. وفي الخمسينيات والستينيات، تعاونت تركيا مع حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط (إيران، إسرائيل، والأردن)، لاحتواء نفوذ الدول التي اعتبرت حليفة للسوفييت (مصر، العراق، سورية). ومع انتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وتفكك المنظومة السوفييتية وحلف وارسو، ضعفت العلاقة الأميركية الاستراتيجية بينها وبين حلفائها في مناطق التوتر في العالم، من جنوب شرق أسيا وحتى جنوب القارة الأميركية، مرورا بالشرق الأوسط.

تمثل تركيا نموذجا لتراجع هذه العلاقة، وإذا ما ظل ثمة اهتمام أميركي بتركيا فمردّه إلى العلاقة  

"لكل من روسيا والولايات المتحدة مصلحة في كسب تركيا لكنهما تريدانها تابعة"التركية ـ الإسرائيلية في محيط شبه عدائي لإسرائيل، غير أن أحداث "11 سبتمبر" عام 2001 أعادت الألق لهذه العلاقة، بسبب حاجة الولايات المتحدة لقاعدة إنجرليك، ضمن مخططاتها في أفغانستان والعراق. وفعلا، تجاوبت تركيا مع تفعيل المادة من معاهدة الدفاع الخاصة بحلف الناتو والتي تفرض على جميع الأعضاء في الحلف تقديم المساعدة لأي دولة تواجه عدوانا خارجيا. ونفذت أنقرة هذا الالتزام بتسهيل استخدام أراضيها ومجالها الجوي للقوات الأميركية لبدء الحرب على أفغانستان في أكتوبر/ تشرين الأول 2001. ولكن بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في أنقرة، بدأت تظهر سياسة خارجية مستقلة تماما لأول مرة في تاريخ تركيا الحديث. وكان أول مثال على ذلك، رفض البرلمان التركي عام 2003 استخدام الأميركيين قاعدة إنجرليك في تركيا لضرب العراق. ثم بدأ التباعد بين الجانبين، مع محاولة رجب طيب أردوغان شق سياسة تركية مستقلة في المنطقة والعالم، كان من تبعاتها حصول توتر حاد مع إسرائيل. ومع تحول الثورة السورية إلى أزمة إقليمية ـ دولية، بدأ الافتراق التركي ـ الأميركي: سعت أنقرة إلى إسقاط النظام في سورية، في حين كانت واشنطن تعمل على تفجير الأزمة أكثر فأكثر، من دون أن يقود ذلك إلى إسقاط النظام السوري.

ثم جاءت الفورة العسكرية لأكراد سورية لتزيد العلاقة سوءا بين الدولتين، وتجد تركيا نفسها مضطرّة إلى طرق أبواب الكرملين، بعدما دخل الروس بقوة إلى ساحة الصراع العسكري في سورية. ومع كل ابتعاد أميركي عن دعم المصالح القومية العليا لتركيا، كانت الأخيرة تعمّق علاقتها بروسيا، ضمن إطار تحالف الضرورات الملحّة، من دون أن تقطع علاقتها مع الولايات المتحدة.

وقد فرضت تغيرات الأوضاع في سورية على تركيا المواءمة بين مصالحها العليا القريبة المباشرة (القضاء على الإدارة الذاتية الكردية)، ومصالحها البعيدة غير المباشرة (إسقاط النظام  

"فرضت تغيرات الأوضاع في سورية على تركيا المواءمة بين مصالحها العليا القريبة المباشرة ومصالحها البعيدة غير المباشرة"السوري). ولكن، من نتيجة ذلك أنها أصبحت أسيرة، إلى حد كبير، للسياستين الأميركية والروسية، ولعل إقدام الروس على فتح معركة إدلب والوصول إلى مناطق تعتبر عمقا استراتيجيا لتركيا دليل على أن موسكو لم تعد بحاجة كثيرا إلى تركيا في سورية. وستكون هذه المعركة بداية طريق طويل للزحف الروسي نحو مناطق السيطرة التركية.. لقد أدركت روسيا، منذ البداية، أن تحالفها مع تركيا آنيٌّ يهدف إلى ترتيب ساحة الصراع، مع ما يتطلبه ذلك من ثمن يُقدم للأتراك.

أمام هذا الواقع، لا تمتلك تركيا أوراقا كبيرة، فالولايات المتحدة لن تدخل في توتّر حادّ مع روسيا من أجل بضعة مناطق في إدلب، غير أن للولايات المتحدة مصلحة في ابتعاد تركيا عن روسيا، وهذا هو مغزى التصريحات الأميركية أخيرا. ولكن هذا الابتعاد لن يكون بتدخل أميركي مباشر تجاه تركيا، وإنما بتحوّل تركي نحو الولايات المتحدة. تريد الإدارة الأميركية أن تتورّط تركيا في صراع عسكري مع روسيا داخل سورية، لإجبارها على طرق أبواب واشنطن. ويعي الأتراك هذه المعادلة، ويعملون على استخدام أوراقهم المبعثرة، تارّة مع واشنطن وأخرى مع الاتحاد الأوروبي، وتارة باللعب على التفاهمات مع روسيا.

لكل من روسيا والولايات المتحدة مصلحة في كسب تركيا، لكن مشكلتهما أنهما تريدانها تابعة، ومنحها ما تريد وفق إطار التبعية. لا تهتمان بالمصالح التركية في سورية، إلا في إطار تحقيق مصالحهما، فسورية جزء من الفضاء الجيوسياسي الروسي، في حين لم تكن ولن تكون جزءا من الفضاء الجيوسياسي الأميركي.

يكشف وضع تركيا اليوم في إدلب عن الطبيعة المعقدة لعلاقة أنقرة مع موسكو وواشنطن، وأي خيار تركي من بين الخيارات المطروحة ستكون له عواقب، خصوصا مع انفراط العقد العربي في الساحة السورية.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع