كورونا في مصر.. انتحار المنطق

كورونا في مصر.. انتحار المنطق

اتبعت دول العالم إجراءاتٍ وقائية صارمة، ومتشابهة في أحيان كثيرة، لمكافحة فيروس كورونا المستجد، غير أن الأمور في مصر تسير في اتجاه معكوس تماما، بطريقةٍ تجعل المنطق يفكر في الانتحار! كانت البداية مع تسجيل أولى حالات الإصابة بالفيروس، فبدلا من أن تتابع وزيرة الصحة المصرية، هالة زايد، الحالات وتتفقد المستشفيات والمراكز الصحية، إذ بها تذهب في جولة على المناطق الأثرية في الأقصر، لتؤكد أن السياحة بخير ولن تتأثر بهذا الأمر، مع أنه لا علاقة لها على الإطلاق بهذا الأمر المفترض أنه من اختصاص وزير آخر.

وعلى الرغم من تسابق الدول في توفير المستلزمات الطبية لمواطنيها والعاملين في القطاعات الصحية فيها، وكذلك في فرض قيود مشدّدة على تصدير المواد الطبية الوقائية ليتم توفيرها للأسواق المحلية، نجد الحكومة المصرية ترسل مليون كمّامة طبية إلى إيطاليا، وقبل ذلك أرسلت مساعدات إلى الصين، في وقت يشتكي فيه الأطباء من ندرة المعدّات الطبية، وإعطائهم كمّامات قليلة للغاية لا تكفي ليوم واحد، واضطرارهم إلى شراء المطهرات والكمّامات من أموالهم الخاصة.

لم تتوقف الكوميديا السوداء من وزارة الصحة عند هذا الحد، بل تعدّته إلى تنظيم مؤتمر صحافي ضخم، ضم عشرات من الصحافيين، في قاعة صغيرة في مقر الوزارة، ما أحدث ازدحاما كبيرا، يجعل من فيروس كورونا سعيدا، وهو يرى مثل هذا الحشد في انتظاره! على الرغم من أن المفترض بالوزيرة أن تكون أشد الناس حرصا على عدم توفير بيئة تساهم في انتشار الفيروس. وفيما لجأت دول عديدة إلى تنظيم مؤتمرات واجتماعات عن طريق الفيديو، تجنبا للزحام، إلا أن المسؤولين المصريين، كالعادة، في كوكب آخر.

انتقل انتحار المنطق من الوزيرة إلى مسؤولين آخرين، إذ نظمت مديرية الصحة في أسيوط 

"فرضت الدول حظراً صارماً على تجوال المواطنين، ومصر طبقته بطريقة تزيد من انتشار كورونا""مسيرة جماعية" لتوعية المواطنين بخطورة فيروس كورونا وطرق الوقاية منه! على الرغم من أن تلك المسيرة بؤرة محتملة لتفشي الفيروس. وكذلك فعلت جامعة الإسكندرية التي نظمت ندوة حاشدة للحديث عن الفيروس! وأعلنت وزارة الآثار عن استمرار المناطق الأثرية في استقبال السياح، على الرغم من أن الأماكن السياحية تعتبر أكثر المناطق نشرا للوباء. أما مساجد مصر فظلت أبوابها مفتوحة أمام جموع المصلين، ليرتقي وزير الأوقاف المنبر أمام آلاف منهم، ليحدثهم عن طرق الوقاية من كورونا! وبالتأكيد، نسي أن يقول لهم إن أولى خطوات الوقاية أن يسارعوا بالخروج من المسجد فورا.

وفي وقت اعتبرت فيه الدول أن الفيروس يشكل وباء عالميا، وأغلقت مطاراتها أمام حركة الطيران، وعطلت المدارس، خرج وزير التعليم يرفض تعليق الدراسة، بحجة أنه لا يريد الاعتراف بوجود وباء، (على الرغم من اعتراف العالم بأكمله بالوباء! وكأن العالم يهتم أصلا باعتراف الوزير المصري من عدمه)، قائلا إن ذلك الاعتراف إن حصل فسيؤثر على الاقتصاد والاستثمار. والسؤال هنا مشابه لذلك الموجّه إلى وزيرة الصحة: ما علاقة وزير التعليم بالاقتصاد والاستثمار؟ أليس من الأولى أن يركز على اختصاصه، وعلى صحة الطلاب والمدرسين وسلامتهم، بدلا من تلك السفسطة الفارغة؟ خصوصا أن الأيام مرت ووجد نفسه مجبرا على تعليق الدراسة، بعدما تجاوزت الكارثة كلامه الفارغ.

فرضت الدول حظرا صارما على تجوال المواطنين، إلا أن مصر طبقت الحظر بطريقة تزيد من انتشار الفيروس، بعدما جعلته جزئيا ساعات محدّدة، فنزل ملايين المصريين لقضاء مصالحهم في أثناء الساعات المسموح فيها بالتجول، وشهدت وسائل المواصلات والبنوك والمصالح المختلفة ازدحاما رهيبا، لأن المسؤولين لم يقرّروا بعد إعطاء إجازة للموظفين، ولم يضغطوا على القطاع الخاص ليفعل ذلك، والنتيجة: مزيد من الزحام.

وبعد اشتداد وتيرة تفشّي الفيروس، لجأت عدة دول، مثل تركيا والسودان والبحرين والأردن  

"رأس الدولة اختفى نحو أسبوعين، لنعرف بعدها أنه التقى بضباط تبينت في ما بعد إصابتهم بالفيروس"والولايات المتحدة وفرنسا وإيران، وحتى نظام بشار الأسد الأكثر إجراما في العالم، إلى إطلاق سراح سجناء، تفاديا لتفشي الفيروس داخل السجون، خصوصا مع تكدسهم في الزنازين بأعداد كبيرة، إلا مصر التي صرح وزير إعلامها بأنها لن تقوم بتلك الخطوة، متهما المطالبين بإطلاق سراح المعتقلين بأنهم مُغرضون ووراءهم جهات "معروفة"، بل واعتقلت قوات الأمن سيدات طالبن بإطلاق سراح السجناء، وأخريات كن يحاولن إدخال أطعمة ومستلزمات طبية لذويهم داخل المعتقل، بالإضافة إلى اعتقال سيدة انتقدت النظام على "تويتر". كما شنت السلطات حملة اعتقالات طاولت أكثر من ثلاثين شخصا، بسبب مطالبتهم بإطلاق سراح المعتقلين خوفا من تفشّي كورونا، بل وصدر قانون يلغي الإفراج الشرطي عن المتهمين في قضايا التجمهر، أي المعتقلين السياسيين، حتى يقضوا فترات عقوباتهم داخل السجون كاملة!

أما وسائل الإعلام فحدّث ولا حرج عن خلوها جميعا من توعية المواطنين بطرق مواجهة الوباء، وتوجيه النصائح لهم، وتوفير الاستشارات من الخبراء والمتخصصين. وبدلا من ذلك لم تتغير خريطة التغطية إلا نادرا، واستمرت البرامج الترفيهية نفسها عن الممثلين والمغنين وإعلانات السمن والشاي والصابون، حتى أن برنامجا للطبخ احتفل بعيد الأم مع أكثر من 20 سيدة على الهواء في الاستديو الصغير من دون أن يأبه بتعليمات تجنب الزحام.

ورأس الدولة اختفى نحو أسبوعين، لنعرف بعدها أنه التقى بضباط تبينت في ما بعد إصابتهم بالفيروس، وربما قضى عدة أيام في الحجر الصحي تحسّبا لإصابته، ولم يعرف المصريون شيئا عن هذا الأمر إلا بعد الإعلان عن وفاة ضابطين رفيعين بالفيروس. وبعد أيام الاختفاء، وبعدما خرج جميع زعماء العالم تقريبا للتواصل مع شعوبهم باستمرار، ومصارحتهم بحقيقة الوضع والسيناريوهات المتوقعة، تحدث عبد الفتاح السيسي عن خفة دم الشعب المصري! وعن أن الأمور تحت السيطرة المطلقة، وعن أن بعضهم يستكثر أن الله عز وجل يحافظ على المصريين.. هكذا تحدث رئيس دولة، من المفترض أن ينبه مواطنيه إلى ضرورة الالتزام بالحذر والبقاء في البيوت، ويحذّرهم من خطورة الأمر، فإذا به يشجعهم على الاستهانة بالأمر والاستخفاف به أكثر، ويقنعهم بأن الأمر لا يستحق كل هذه الضجّة!

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع