دبّوس كورونا

دبّوس كورونا

كأن هذا العالم لم يكن غير بالون فارغ، أو مليء بشرور لا حدود لها، حتى إذا جاء الفيروس غير المرئي، ثقب البالون ففاحت رائحةٌ تزكم الأنوف، وشاعت في الأفق كل الشرور والآثام، وبدت سوأة حكامه بدون عمليات تجميل أو تزويق إعلامي... دبّوس صغير مجهري، غاية في الدقة، وحتى لا يعدّ كائنا حيا، بل ربما يكون أقرب إلى العلقة التي تلتصق بكائن حي لتعيش عليه، وتسحب منه مقوّمات الحياة، فعل بنا ما فعلته الحربان العالميتان، الأولى والثانية، أو أشد، فنحن الآن في ذروة المعركة، ولا يكاد أحد يكون على يقين مما سيبدو عليه العالم بعد أن يرحل وتلملم البشرية جراحها، إن رحل.

ثلاث وثائق تعثّرت بها، تؤكد مدى الإجرام والتوحش الذي تدار به كرتنا من زمرةٍ لا مكان فيها لحياة الإنسان ولا أدنى قيمة، حتى ولو تشدّقوا بحقوق ومواثيق وخطابات يتقيأونها في وجوهنا صباح مساء، بل في كل لحظة، لإخفاء سوآتهم المخيفة، وما تنطوي عليه صدورهم من "فيروسات" هي أشد فتكا من كورونا، ولكنه جاء لفضحهم وكشف هشاشتهم وتغولهم واستحواذهم على مقدّرات الكوكب واستنزافه بلا رحمة.

الوثيقة الأولى المرعبة لم تزل ماثلة على موقع صحيفة الديلي ميل البريطانية. يبدو لكل من  

"نحن الآن في ذروة المعركة، ولا يكاد أحد يكون على يقين مما سيبدو عليه العالم بعد أن يرحل فيروس كورونا"يقرأها وكأنها تتحدث بدقة متناهية عما يحصل الآن، وبتفصيلٍ مخيف، وهي ليست من الوثائق التي تنسجها عقلية المؤامرة، بل تقرير كتبه خبراء في منظمة الصحة العالمية، يحذّر، بلغة لا لبس فيها ولا تقبل التأويل، من أن مرضاً شبيهاً بالإنفلونزا قد ينتشر في جميع أنحاء العالم خلال 36 ساعة، ويتسبب في وفاة 80 مليون شخص. التقرير متاح لكل من يريد قراءة نصه الكامل، وكان قد أصدره مجلس رصد التأهب العالمي (GPMB)، يوم 18 سبتمبر/ أيلول المنصرم، وهو فريق من خبراء الصحة تقوده الدكتورة غرو هارلم برُنتلاند، رئيسة الوزراء النرويجية السابقة والمدير العام لمنظمة الصحة العالمية سابقاً، والحاج آس سي، الأمين العام للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وتم توزيعه على قادة العالم في محاولة لحثّهم على التحرّك، واتخاذ ما يلزم من احتياطات، ولم يتحرّك أحد، التقرير يحمل اسم A World At Risk "عالم في خطر"، وقال إن الجهود الحالية للتحضير لتفشِّي الأمراض في أعقاب الأزمات مثل إيبولا "غير كافية على الإطلاق". ووصف بالضبط ما يحدث اليوم، حين قال إن "العامل المسبِّب للمرض سريع الحركة يمكنه قتل عشرات الملايين من الناس، وتدمير الاقتصادات وزعزعة الأمن القومي، وثمّة خطر بالغ لانتشار وباء سريع الحركة وشديد الفتك لفيروسٍ يسبب أمراض الجهاز التنفسي سيؤدي إلى مقتل ما بين 50 و80 مليون شخص، ومحو قرابة 5% من الاقتصاد العالمي". ومع كل ما حمله هذا التحذير من رعب، لم يجد أذنا صاغية عند أصحاب القرار في هذا العالم!

الوثيقة الثانية أشد لعنة، وهي كتيب صغير، وقد عثرت عليه في ثنايا الشبكة العنكبوتية، في رحلة استبطان لما يحدث لنا اليوم، يحمل عنوانا مخيفا "استراتيجيات التحكّم في البشر والسّيطرة على الجمهور" وهو بدون مؤلف. ويبدو أنه تسرّب على نحو أو آخر، أو ربما تم تسريبه لغرضٍ ما، وهو يلقي ضوءا على الجانب الآخر المخفي من المشهد الدولي، ويبدو أن نعوم تشومسكي عالم اللسانيات والمفكر الأميركي المعروف الذي يعد من أبرز مثقفي العالم استند إليه في مقالته "عشر إستراتيجيات للتحكّم بالشعوب". وتوصف الوثيقة بأنها دليل للتحكّم بالبشر، وتدجين المجتمعات والسيطرة على المقدّرات، ويرجّح المختصّون أنّها تعود إلى بعض دوائر النفوذ العالمي التي عادة ما تجمع كبار الساسة والرأسماليين والخبراء في مختلف المجالات. وعلى الرغم من غموض كبير يشوب أسلوب العثور على الوثيقة (المفترض أنها سرّية!) إلا أنها تثير تساؤلاتٍ كثيرة، تشبه التساؤلات التي أثارها نشر "بروتوكولات حكماء بني صهيون"، لأن فيها خططا كثيرة خطيرة توحي بأن من أعدّها لم يكن أقل خبثاً ممن أعد البروتوكولات، وقد تكون الجهة نفسها، وهي تتحكّم بدوائر القرار الأميركي، والغربي عموما، وأخطر ما فيها أنها تتحدث بسلاسة عن إمكانية إبادة ملايين البشر بطرق مختلفة، في سبيل ديمومة سيطرة ثلة من المتحكمين بمقدرات البشرية.

يكفي أن نلقي نظرة على "خلاصة" الوثيقة، لنعرف بعض جوانب مما يجري اليوم، حيث تقول  

"النظام العالمي وتوازن

القوی

سیتغیران

بشكل كبير"إن الناس يستخدمون السياسيين، ليتمكنوا من: ضمان الحماية من دون التخطيط لها. ضمان العمل من دون التفكير بشأنه. ممارسة السرقة أو إيذاء الآخرين أو حتى القتل من دون الحاجة للتفكير بالحياة أو الموت. تجنّب المسؤولية بخصوص أغراضهم الشخصية. جني المنافع من الواقعية والعلم دون أن يجهدوا أنفسهم في الانضباط لمواجهة وتعلّم أيّ منها.

إنهم يُعطون السياسيين القوة لإنشاء وإدارة آلة الحرب من أجل أن: تضمن بقاء الأمة. تمنع التعدي على الأمة. تقضي على العدو الذي يهدد الأمة. تقضي على مواطني الدولة نفسها الذين لا يعملون وفق مصلحة ثبات الأمة!

الوثيقة الثالثة، وهي تقرير على جانب كبير من الأهمية نشرته مجلة فورين بولوسي، ضمنته إجابات عدد من المفكرين عن سؤال: كيف سيبدو العالم بعد وباء کورونا؟ وهو لا يقل أهمية عما سبقه، ومن المهم لأي مهتم أن يقرأ نصه كاملا. وهنا خلاصة لأهم ما قاله أصحاب الرأي، وهي تصف بكلمات قليلة صورة العالم بعد كورونا:

فشل الولايات المتحدة، والغرب بشكل عام، في قيادة العالم، وتحول الدّفة إلى الصين ودول جنوب شرق آسيا. النظام العالمي وتوازن القوی سیتغیران بشكل كبير. انتهاء نظام العولمة الاقتصادية والاعتماد المتبادل والبحث عن سلاسل توريد محلية. نسف القواعد الحالية لعمليات التصنيع والإنتاج العالمية. فشل المؤسسات الدولية في القيام بدورها الذي كان متوقعا في التحذير والتنسيق للحد من الأزمة. توقع تفكّك الاتحاد الأوروبي بعد فشله في مواجهة الأزمة على مستوى أعضائه. مزيد من الانكفاء على الداخل وتراجع القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك. تقوية مفهوم الحكومة المركزية وتعزيز قبضة الحكومات من دون معارضة. قوة الروح الإنسانية ونجاحها في مواجهة الخطر. المنتصر في الحرب ضد كورونا هو الذي سيكتب التاريخ، ويحدّد المستقبل إلى حد كبير. سيكون العالم أقل انفتاحا، أقل حرية، أكثر فقرا.

بقيت مسألتان على جانب كبير من الأهمية. أولاهما، تغريدة لمنظمة الصحة العالمية تحمل تاريخ 

""قرصنة" دولية تقوم بها دول، وليس قراصنة، للاستيلاء على المواد والمعدات الطبية الخاصة بمواجهة كورونا"1:18 مساءً، 14 يناير/ كانون الثاني 2020، وتؤكد فيها أن "كوفيد – 19" لا ينتقل بين البشر (أي من إنسان إلى إنسان آخر)، مستندة إلى تأكيدات السلطات الصينية (!)، وهو ما ثبت عدم صحته. ويمكن إضافة تصرّف الصين "المستبد والغبي" مع الطبيب الذي اكتشف المرض، وكيف عاقبته بالقتل، لأنها لا تريد أن تعترف بالكارثة، ولم تعترف بها إلا بعد أن "فاحت" رائحتها. تصوّروا لو تصرفت الصين بمسؤولية منذ البداية، وكم كانت ستوفر على البشرية من كوارث. ارتكبت الصين في هذا جريمة كونية، ولو كان هناك نظام عدالة عالمي، لفرض عليها تحمل كامل الكلفة التي تحمّلها العالم جرّاء استهتارها وتهاونها بالحياة البشرية.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع