يحدث في تونس زمن كورونا

يحدث في تونس زمن كورونا

ملأ الحديث عن فيروس كورونا المستجدّ الدنيا وشغل النّاس، ولم تتمكّن البشرية بعد قرون من النهضة العلمية والاختراعات التقنية من التوصّل إلى لقاح ناجع، يقي الإنسانية شرّ انتشار هذا الوباء. وتتالت الأخبار، من يوم إلى آخر، عن تزايد ضحايا هذه الجائحة القاهرة في الدول المتقدّمة وفي البلدان النامية. ولم يسلم من هجمة كورونا (كوفيد - 19) أثرياء وفقراء، ومشهورون ومغمورون، وحاكمون ومحكومون، وسجناء وطلقاء. وكاد الداء الجديد يُصبح أعدل الأشياء قسمة بين النّاس، وغدا المرء يتوجّس من كلّ شيء. من بضاعةٍ يشتريها، ومن شخصٍ يُقبّله ومن باب يفتحه، ومن صديق يصافحه، ومن نقد يعدّه ويصرفه لخشيته من أن يكون حاملا الفيروس. وأصبح الواحد توّاقا إلى عُلبة يسكنها تجنّبه بطش الفيروس الفاتك. وفي تونس، أدرك الوباء البلاد والناس في غفلة، وقد أرهقتهم أزمة اقتصادية خانقة، وحياة سياسية متوتّرة، وضائقة مالية ظاهرة. وما إن أعلنت وزارة الصحّة إصابة مواطن تونسي عائد من إيطاليا إصابة مؤكّدة بفيروس كورونا المستجد (2 مارس/ آذار 2020) حتى دبّ القلق في النفوس، واتسعت دائرة الخوف على التدريج، بعد أن تمّ تأكيد إصابات أخرى. وأثّر ذلك على النسق العادي لحياة المواطنين..

ما أن سمع النّاس بحلول كورونا في تونس حتّى تداعوا إلى مراكز الاستهلاك بكثافة كبيرة، تراهم يتزاحمون حينا ويصطفّون حينا آخر أمام المخابز، والصيدليات، والمحالّ التجارية، يتلهّفون على التبضع وعلى الجمع والمنع، على الرغم من أنّ وزارة التجارة أخبرت بوفرة المنتجات في  

"بعد 64 سنة من الاستقلال، ما زالت تونس تعاني من نقص في البنية التحتية الاستشفائية والمستلزمات الطبية" السوق، وأنّها تسدّ حاجات النّاس وزيادة. وأدّى نزيف السلوك الاستهلاكي عمليّا إلى نفاد موادّ غذائية أساسية في ظرف قياسي (السكر، الدقيق، الفارينة ..) في عدّة مدن. وأصبح الحصول على أقنعة واقية وقفّازات معقّمة وسوائل مضادّة للبكتيريا أمرا عزيزا. وأفضى تزايد الطلب على تلك الموادّ وقلّة الكمّيات المعروضة إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وشيوع ظاهرة الاحتكار والبيع المشروط. ووجد المواطنون أنفسهم ضحايا النهم الاستهلاكي، وفريسة السماسرة والمحتكرين الذين استثمروا أزمة الخوف من كورونا ليستنزفوا جيوب الناس، ويضاعفوا أرباحهم بشكل غير مسبوق. ويمكن تفسير سلوك المستهلكين، من منظور أنثروبولوجي، بخوفهم من المستقبل، وخشيتهم هول الجائحة، ورغبتهم في التمسّك بأسباب الحياة، وعدم ثقتهم في التطمينات الصادرة عن أجهزة الدولة في هذا الشأن. أمّا سلوك السماسرة والمحتكرين والمتاجرين في الأزمة فأناني غير مسؤول يمتدّ في ظلّ تردّد الدولة، وعدم جدّية الأجهزة الرقابية في وزارة التجارة ومنظمة الدفاع عن المستهلك في اتّخاذ التدابير الردعية ضدّ المخالفين.

في مشهد آخر، وبالتزامن مع ظهور حالات كورونا في تونس، تفشّت في البلاد حالة من الانفلات الإداري، وتعمّقت الفجوة بين المواطن والمؤسسات العمومية، وتراجعت خدمات القرب بشكل لافت للنظر. واغتنم موظفون الفرصة للتعلّل بأعذار واهية للتغيّب والتفصّي من المسؤولية. وشهدت عدّة مؤسّسات عمومية نقصا واضحا في حضور الموظفين والعاملين، حتى أنّك، في بعض الأحيان، لا تجد سوى عون (موظف) مباشر واحد يخاطب النّاس بالكاد من خلف حاجز بلوري، ويرى في كلّ مواطن يقصده لخدمة ما شبهة مصابٍ بفيروس كورونا. وهو ما جعل العلاقة بين المسؤول الإداري والمواطن محكومة بشيء من التوتّر، والتوجّس، والرّيبة. وما زالت معظم المؤسّسات الإدارية التونسية تمارس عملها بطريقة بيروقراطية، روتينية، بطيئة. ولم تدخل بكثافة عصر توفير الخدمات عن بعد، والانتماء إلى زمن المجتمع الشبكي، الإلكتروني، المعولم. وأحرى بأصحاب القرار في تونس العمل على تعميم مشروع الإدارة الرقمية الذي ييسّر توفير الخدمات للمواطنين في وقت قياسي، ويسهّل التواصل الفعّال والتفاعل البنّاء بين أجهزة الدولة ومواطنيها، خصوصا فترة الأزمات والكوارث الطارئة.

وعلى الضفة المقابلة في القطاع الخاصّ، أدّى تفعيل حالة الطوارئ وحظر الجوَلان، وإقرار 

"بالتزامن مع ظهور حالات كورونا في تونس، تفشّت في البلاد حالة من الانفلات الإداري، وتعمّقت الفجوة بين المواطن والمؤسسات العمومية" الحجر الصحي الشامل، إلى غلق مصانع، ومحالّ تجارية وخدمية (رياض أطفال، مقاه، مطاعم ..) وإلى إيقاف النقل بين المدن، ما جعل بعض التجمّعات السكنية في الأرياف ومناطق الظلّ في عزلة شبه تامّة. وأدّت تلك المستجدّات الطارئة إلى تسريح عمّال كثيرين وجدوا أنفسهم، بسبب كورونا، جالسين على مقاعد العطالة، يتهدّدهم الفقر والمرض، ويعانون أعباء مالية شديدة جرّاء ديونهم الثقيلة وضرورة توفير القوت والحاجيات اليوميّة لأسرهم. وإحساس هؤلاء بالإحباط وبالعزلة يزيد من تأزيم أوضاعهم، ويؤجّج مشاعر الغضب عندهم، لأنّهم لا يريدون أن يدفعوا ثمن سياسات التوقّي من كورونا من مالهم ومعاشهم ومورد رزقهم. وتداركت الحكومة الأمر، فاتّخذت تدابير جزئية للإحاطة بهؤلاء، من قبيل تأخير دفعهم فواتير الكهرباء والماء، وتمديد آجال تسديد قروضهم، وجبر الضرر المادّي اللاحق بهم، ولو نسبيا بإسناد منحة ظرفية لهم (200 دينار). وقد بعثت هذه التدابير، على الرغم من بساطتها، رسائل طمأنة للمواطنين، وأخبرت بأنّ الحكومة لن تتركهم للمجهول.

في مستوى آخر، على الرغم من أهمّية الجهود التي يبذلها العاملون في وزارة الصحة لأجل التصدّي لأزمة كورونا، فإنّ هذه الجائحة كشفت هشاشة المنظومة الصحية العمومية في البلاد، فبعد 64 سنة من الاستقلال، ما زالت تونس تعاني من نقص في البنية التحتية الاستشفائية، وفي المستلزمات الطبية والأدوية والوسائل الوقائية، ولا تتوفّر سوى على 350 سريرا للإنعاش الفوري (في بلد يعدّ حوالي 12مليون نسمة)، ولا تتوفّر على مراكز إيواء مجهّزة كافية لاحتضان المشتبه في إصابتهم بفيروس كورونا، وهو ما أثّر على آلية اعتماد الحجر الصحي الإجباري لصالح آلية الحجر الطوعي الذاتي الذي لم يلتزم به بعضهم لظروفهم المعيشية الصعبة أو لأنانيتهم، ولمحدودية ثقافتهم ووعيهم الوطني وحسّهم الأخلاقي. ويقتضي النهوض بالقطاع الصحي إعادة هيكلته وبلورة إستراتيجيات بنائية إصلاحية شاملة، لتطوير البنى التحتية وتصنيع المواد الوقائية والعلاجية. وذلك ممكن في حال توفّرت الإرادة السياسية الجادّة، وتضافرت جهود مكوّنات المجتمع المدني في هذا الخصوص. 

على صعيد التضامن الوطني في مكافحة هذا الداء القاتل، يلفت الانتباه مشهدان: خفوت أصوات  

"غيّرت كورونا وجه العالم، وشلّت مدنا كبرى، وأربكت اقتصاديات عتيدة" معظم المشاهير من فنّانين، ورياضيين، وإعلاميين، ورجال أعمال، وسياسيين، ودعاة، ومحدودية جهدهم في القيام بحملات توعوية وتخصيص مساهمات مالية مهمّة لإسناد جهود الدولة لمكافحة الفيروس. وإقبال فئة من التونسيين على العمل التضامني/ التطوّعي لمجابهة الجائحة. وفي هذا السياق، وضع مواطنون وآلاف الشباب وخرّيجو الجامعات أنفسهم على ذمّة الدولة، للمساهمة في محاصرة الوباء، وقاموا بأعمال تطوّعية ميدانية جليلة. وهو سلوك حضاري دالّ على حيوية المجتمع المدني، وصحوة الضمير التكافلي لدى طيف معتبر من الاجتماع التونسي.

ختاما، غيّرت كورونا وجه العالم، وشلّت مدنا كبرى، وأربكت اقتصاديات عتيدة، وأخبرت بنهاية مقولة الإنسان/ الإله، وبتراجع نزعة الفردانية، والحلول الشخصية. وتعزّزت معها، في الداخل التونسي وفي المجتمع الكوني، الحاجة إلى إحياء المتن الأخلاقي، والرافد الروحي، والسلوك التضامني، حفاظا على المصلحة العامّة وضمانا للخلاص الجماعي، ولانتصار النوع البشري على أدواء وجوائح خارقة. وفي الاتحاد قوّة لا محالة.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع