من ذكريات إبريل .. المصرية

من ذكريات إبريل .. المصرية

تعود الذكريات في شهر إبريل/ نيسان، أحاول مقاومة الكتابة ولا أستطيع. أعتقد أنه من المهم تذكّر ما حدث في مصر والحكي عنه، فحولنا أساطير كثيرة يتم نسجها. يوما ما، سيجد من يحاول البحث والقراءة عن تواريخ، مثل 6 إبريل/ نيسان 2008 أو 25 يناير/ كانون الثاني2011، كثيراً من اللغط والروايات المتضاربة، كما أن حوادث كثيرة في التاريخ كتبها المنتصرون وحدهم، وعلى المهزومين أن يحاولوا سرد الحقيقة.

مرّت 12 عاما بسرعة البرق منذ ذلك التاريخ المهم، تاريخ أحد أهم الأحداث الذي أصبح محطة مهمة في طريق الوصول إلى ثورة 25 يناير في مصر. إنه تاريخ الثورة المصغرة وكسر حاجز الخوف، الشرارة الأولى للخروج الجماهيري العفوي ضد الاستبداد والفساد والديكتاتورية، إنها ذكرى الإضراب العام في السادس من إبريل/ نيسان عام 2008. مرت هذه الأعوام بسرعة البرق على تأسيس أول وأكبر حركة اجتماعية شبابية في مصر، تلك المجموعة التي وُضعت أمام مرمى النيران والبطش والتنكيل منذ اليوم الأول لنشأتها، إنها حركة شباب السادس من إبريل، التي كان لها الدور الرئيسي في ضم قطاعات شبابية جديدة لمعركة التغيير وتحفيز الشباب المصري على الإيجابية، وتشجيع قطاعاتٍ جديدة على رفض الظلم والفساد والاستبداد طوال السنوات السابقة لثورة 25 يناير، وهي الحركة التي كان لها  

"عام 2008 دعا عمال مصنع الغزل والنسيج في مدينة المحلة الكبرى للإضراب داخل المصنع للمطالبة بزيادة الأجور والبدلات" الدور الرئيسي في إطلاق شرارة الخروج، وتحديد أماكن عديدة للانطلاق إلى المسيرات السلمية في 25 يناير/ كانون الثاني عام 2011.

كانت البداية عام 2008 مع دعوة عمال مصنع الغزل والنسيج في مدينة المحلة الكبرى في شمال الدلتا في مصر، للإضراب داخل المصنع للمطالبة بزيادة الأجور والبدلات، فتلقف بعض الشباب (أتشرف بأنني كنت أحدهم) الفكرة بعد نجاحات متكرّرة أحرزها عمال المحلة في نضالهم الممتد عشرات السنين. قلنا لنجرّب، فلتكن دعوة إلى الإضراب العام في كل مصر، وليس في مصنع الغزل والنسيج فقط، فالكل يعاني من الفساد والاستبداد وغلاء الأسعار. 

كان هناك موقع اجتماعي جديد في شبكة الإنترنت وقتها يطلق عليه فيسبوك، بدأ ينتشر في الأوساط الشبابية المصرية قبل أشهر من ذلك التاريخ، يمكنك فيه نشر صورك الشخصية والحصول على أصدقاء جدد، والبحث عن الأصدقاء القدامى، وكذلك يمكن الانضمام لمجموعات فيها أشخاص لديهم الاهتمام نفسه. وفي هذا الموقع، يتم نشر القصص والصور وأحدث أخبار الفن والرياضة والموضة بمنتهى السرعة، ولكن لم يكن أحد يستخدمه في السياسة أو الدعاية السياسية أو الحشد السياسي، فدعونا إلى أن نجرّب هذا الموقع اللطيف الذي عليه هذا العدد الكبير من الشباب المصري.. هل يمكن أن يكون بديلاً عن الاجتماعات التنسيقية، وعن توزيع المنشورات في الشارع، وغيرهما من الوسائل المحفوفة بالمخاطر؟ 

كانت المفاجأة، فبعد أيام قليلة من إنشاء مجموعة (غروب) على "فيسبوك" للدعوة إلى الإضراب العام يوم 6 إبريل/ نيسان تضاعف عدد الأعضاء الناشطين إلى أكثر من 75 ألفا، عشرات آلاف من الشباب غير المنتمي لأحزاب سياسية، والذي كان يبحث عن متنفس له بعد 

"بعد أيام من إنشاء مجموعة "فيسبوك" للدعوة إلى الإضراب العام يوم 6 إبريل/ نيسان وصل عدد الناشطين إلى أكثر من 75 ألفاً" إغلاق الحياة السياسية والمجال العام سنوات طويلة. لم يكن جوهر الاعتراض سياسيا، ولكن لأسباب اجتماعية بالأساس، فالكل يعاني من غلاء الأسعار والفساد والاستبداد والزحام والعشوائية. أكثر من 75 ألف شاب في الواقع الافتراضي، ولديهم عائلات وأصدقاء ومعارف في الحياة الحقيقية، وهكذا أصبح يوم السادس من إبريل عام 2008 حدثا كبيرا في مصر. في ذلك اليوم تم كسر حاجز الخوف، وأزالت الجماهير الغاضبة صوراً للرئيس الراحل حسني مبارك من الميادين، تجمع الآلاف بدون خوف من قنابل الغاز والهراوات والرصاص المطاطي والخرطوش. 

تكوّنت حركة 6 إبريل من معظم الشباب الذين شاركوا في الدعوة إلى الإضراب العام ذلك اليوم، ثم انضم إليهم مئات ثم آلاف من الشباب الطامحين إلى الحرية والديمقراطية والكرامة. ولم تكتف الحركة بتنظيم صفوفها وجذب العضوية من على الإنترنت والعالم الافتراضي، بل انتشرت أيضا في الأوساط الشبابية والطلابية على أرض الواقع، وكلما زاد الانتشار زاد القمع من السلطة، وتوالت الأحداث والإنجازات والإخفاقات، والملاحقات والقمع والسجن والتعذيب، وكلما زاد القمع من الأجهزة الأمنية حدث ما يشبه الفلترة والتنقية في الصفوف، فيخرج من يخرج لينضم من هم أشد عزيمةً وإصرارا. إلى أن كانت حادثة مقتل الشاب خالد سعيد على يد الشرطة المصرية في الإسكندرية عام 2010، وهو الحادث الذي تحوّل إلى محطة كبيرة في طريق الثورة، مثل يوم الإضراب عام 2008 وإنشاء الحركة، ثم كانت محطة أخرى مهمة، عندما عاد محمد البرادعي إلى مصر، وما صاحب ذلك من حراك كبير للمشهد السياسي، فقد التفّت حوله مجموعات شبابية عديدة، تراكم مجهودها، حتى كانت ثورة 25 يناير 2011. 

بعد الثورة، دخلت حركة 6 إبريل منعطفاتٍ حادّة عديدة. وبقدر ما كان المجال العام مفتوحا نسبيا، بعد تنحي الرئيس مبارك عن الحكم، بقدر ما كانت الاختيارات صعبةً، وبقدر ما كانت الأوضاع سريعة التقلب، فقد تولى المجلس العسكري السلطة بعد مبارك، وهو المجلس الذي عيّنه مبارك من قبل، ثم تفرق شركاء الميدان قبل الانتخابات البرلمانية، وبدلا من أن تكون الثورة ضد النظام السابق، أصبحت الثورة تتنافس وتتصارع مبكّرا في الانتخابات والإعلام، وفضّلت حركة 6 إبريل أن تلعب دور جماعة الضغط، من أجل تحقيق أهداف الثورة خارج الإطار السياسي الرسمي، فلم تكن جزءا من العملية الانتخابية والصراع المبكر على السلطة 

"تكوّنت حركة 6 إبريل من معظم الشباب الذين شاركوا في الدعوة إلى الإضراب العام ذلك اليوم" التشريعية في أواخر عام 2011، وبسبب دورها هذا، وبسبب انتقادها الأوضاع والمسار بعد تنحّي مبارك، فتحت عليها نيران المجلس العسكري، وشارك التيار الإسلامي الذي كان متحالفا مع المجلس وقتها في حملات التشويه والتخوين.

وعلى الرغم من ذلك، كان للحركة خيار مفاجئ للجميع عام 2012، عندما دعت أنصارها والمتعاطفين معها لانتخاب مرشح جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، في مواجهة مرشح النظام القديم في الانتخابات الرئاسية، أحمد شفيق. أطلق بعضهم مصطلحا مصريا ساخرا: "عصر الليمون"، للدلالة على أن تأييد مرشح "الإخوان" كان على مضض، بعد كل الانتهازية التي ظهرت في أداء الجماعة بعد ثورة يناير. وكان اختيار حركة 6 إبريل دعم مرسي بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير، فقد فُتحت عدة جبهات في وقت واحد، وكان الهجوم واللوم من الجميع، المجلس العسكري وبقايا نظام مبارك وإعلامه، وأيضا القوى التقليدية والأحزاب الليبرالية القديمة، ولكن الهجوم الأكثر إيلاما كان ضد حركة 6 إبريل، وهو النقد القاسي من داخل معسكر الثورة. ولكن الحركة، بخلفيتها الليبرالية، كانت ترى أن لجماعة الإخوان المسلمين الحق في مزاولة العمل السياسي من خلال الحزب، ولها الحق في أن يكون لها مرشح مثل كل التيارات. 

ولكن لم تكن الأحوال على ما يرام في فترة حكم الرئيس محمد مرسي، فكان هناك رفض ومقاومة لحكم الإخوان المسلمين في قطاعات البيروقراطية والدولة العميقة والمؤسسات الأمنية، ورفض وتخوف لدى قطاعات شعبية واسعة، تخاف بدورها من أي تغيير. بالإضافة إلى ترصد كثيرين ممن تطلق عليهم القوى المدنية، ولم تستطِع جماعة الإخوان المسلمين اجتذاب القوى الثورية في صفها بسبب أخطاء وممارسات عديدة وسوء تقييم الأمور، بل أسهم أداء "الإخوان" في زيادة النفور والتخوفات منهم، وهم أسهموا في توسيع الفجوة بينهم وبين باقي قوى الثورة، وأسهم الأداء المتخبط لقيادات الجماعة في زيادة التكتل ضدها، وتجميع خصوم كثيرين في خندق واحد ضدها. إلى أن كان ما كان في 30 يونيو/ حزيران 2013 وانقلبت الأحوال. وعلى الرغم من اشتراك حركة 6 إبريل في التحركات المعارضة لسياسات الإخوان المسلمين وطريقة تعاملهم في مواقف كثيرة، إلا أن الحركة كانت لها مواقف واضحة في رفض الإقصاء والقمع وانتهاك حقوق الإنسان. وقد أعلنت رفضها إجراءات ما بعد 3 يوليو وعودة السلطوية، فمصر يجب أن تكون وطنا للجميع، بمن فيهم الإسلاميون وكل من يدعو إلى أفكاره بشكل سلمي. ولذلك تم حظر حركة 6 إبريل في النصف الأول من عام 2014، بعد رفض الحركة كل مسار ما بعد 3 يوليو/ تموز 2013، وتمت مطاردة أعضائها وقياداتها وكوادرها الذين أصبحوا بين مسجون أو مطارد أو في المنفى، وسط مناخ عام وتحريض إعلامي رسمي يعتبر تواريخ، مثل 6 إبريل 2011 و 25 يناير 2013 تواريخ للفوضى والتمرّد والخروج على النظام.

وبعد مرور 12 عاما على تأسيس الحركة، فهي لا تزال متمسّكة بأفكارها، على الرغم من الملاحقات والسجن والتشويه، ولم تنتقل إلى معسكر تأييد السلطة ولا يجوز ذلك، فلم يتبق غير القيم التي تدعو إلى التسامح والتعايش ومساندة العدل والحرية والكرامة. بالتأكيد لم تعد الحركة قادرةً على التجمع والتنظيم مرة أخرى منذ سنوات، وهذا هو حال سائر التنظيمات في مصر. ولكن لم يتبق غير التمسّك بالأفكار والمبادئ، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع