الضلال والتضليل في زمن كورونا

صدر في العام 1928 كتاب اللورد البريطاني، آرثر بونسومبي، الذي بيّن فيه أكاذيب الإعلام في الحرب العالمية الأولى، ورصد عشر طرق مارست فيها الدول المعتدية أساليب الكذب، ليس فقط على الأعداء، إنما على شعوبها أيضًا، من أجل تبرير الحرب ورصّ الصفوف والاستثمار بكل القوى البشرية، إن كان على الجبهات أو في رفد الحياتين، المدنية والعسكرية، بما يتطلبه الوضع، وكانت النتيجة لديه عشر قواعد أساسية لهذَين الكذب والتضليل. مورس التضليل سنوات عشرًا تقريبًا على الشعب السوري، باتباع تلك القواعد بإتقان فائق، في إفادة كبيرة من معطيات الثورة الرقمية.

ربما لا يشبه ما يشهده العالم اليوم حربًا موصوفة، كما عهدنا الحروب في التاريخ، لكنها أزمة تطاول البشرية جمعاء، ولا يمكن إشاحة النظر عن احتمال استغلالها من أجل حروبٍ غير تقليدية تلوح إرهاصاتها في الأفق، حيث تسعى القوى العظمى إلى استغلالها من أجل إعادة ترتيب السيادة والقيادة على العالم بعد الزلزال والهزّات الارتدادية التي لا يمكن التكهن بتوقيت توقفها عن رجّ العالم وتصديعه، وسوف نتلقى، نحن شعوب تلك المناطق المصابة بلعنة التاريخ والجغرافيا والأنظمة المستبدة، أعتى هذه الهزات الارتدادية. لكن، إلى أي مدى يمكن ضمان حماية الوعي العام والوجدان العام في هذه الظروف التي يسيطر فيها الهلع على الناس، الهلع المركّب، على حياتهم وأمنهم الصحي من جهة، وعلى أمنهم الحياتي ومصادر عيشهم في ظل الأزمة التي انكمشت فيها العملية الإنتاجية وتراجعت، وخسر مئات الآلاف وظائفهم ومصادر رزقهم في أنحاء العالم؟ وكيف يمكن تقويم الشفافية التي تتعامل بواسطتها الحكومات في ظل الأزمة مع شعوبها؟ ومدى الصدق في تعامل الأنظمة مع بعضها بعضا؟ وإلى أي مدى ساهم الإعلام في التضليل أو في تضخيم المشكلة أو في إيصال الحقائق كما هي؟ كل هذه التساؤلات مشروعة، ويمكن أن يطرحها الأفراد في كل العالم في وقتنا الراهن، ومنهم الشعب السوري الذي أنهكته الحرب، وسمّمت وجدانه ضلالات الإعلام الموجه الذي جنّد جيوشًا من الكوادر والمختصين لمتابعة أزمته، والتدخل في حراكه، والتضييق على حياته، بل إن أسئلته أكثر تعقيدًا وإمكانية الأجوبة عليها أقل بكثير والأفق أكثر قتامة.

يفصلنا عن الحرب العالمية الأولى قرن، يعني أن وسائل الدعاية وأدواتها تغيرت وتطورت كثيرًا  

"ألفى الشعب السوري نفسه في أزمة كورونا رهين الشائعات. لا أخبار موثوقٌ بها ولا أوهام موثوقٌ بها أيضًا"في القرن الواحد والعشرين، في زمن الثورة الرقمية، فقد أصبح المشهد الإعلامي مختلفًا تمامًا عما كان عليه الحال قبل قرن، وبذا يمكن القول إن إمكانية التضليل وتزييف الحقائق باتت أكبر بكثير، فشبكة الإنترنت تتيح اتصالات جماهيرية فورية وعالمية، إذ تقول الإحصائيات إن أكثر من ملياري شخص في العالم يستقون أخبارهم من الشبكة، ويتبادلون أفكارهم عبرها، وهي كما يشبهها بعضهم بمثابة منتدى هائل يساهم فيه كل الأفراد بالأحقية نفسها، وينشر أفكاره وتحليلاته وأخباره وتهويماته من دون رقيب أو حسيب، بل هناك كثيرون بارعون في الإفادة من تقنيات الشبكة وتقنيات الرقمنة يفبركون الأخبار المدعومة بالوثائق ويخرجونها على أنها حقائق يتلقفها الناس المتلهفون إلى قشّة تنشلهم من الغرق في بحر الظلمات والمجاهيل، فهي تشكّل الأداة الرئيسية لنقل الدعاية.

يعني بالمختصر، وفي ظل انتشار الدعاية الخطيرة، إن حالة البشرية اليوم ليست بخير، وإن التصدّعات تتعمق في الأرواح شيئًا فشيئًا، ويزداد انفصال الأفراد عن الواقع، على الرغم من غرقهم في واقع مرير، ليعيشوا في أقفاصهم بحالة إغلاق تام يطلّون على الحياة من شرفات الشبكة الواسعة، ليتصيدوا خبرًا من هنا وخبرًا من هناك، علّ الأخبار تجلب إليهم بصيصًا من الأمل بانتهاء حبسهم وانتهاء قلقهم وانتهاء مواجهتهم شبح الموت وشبح البطالة وشبح الفقر والعوز. يعمّ هذا الوضع دول العالم ومجتمعاته كلها، فكيف ببلدان مثل سورية أنهكتها الحرب، وواجهت أعتى أشكال الموت، ومورست بحقها أقسى أشكال التعذيب والحصار والتجويع، ورأت نفسها بعد سنوات العذاب والعيش المرير تعيش فوق وطن مشرذم ممزّق منهار، يكاد أكثر من ثمانين في المائة من شعبه لا يجد ما يسدّ رمقه؟

ألفى الشعب السوري نفسه في أزمة كورونا رهين الشائعات. لا أخبار موثوقٌ بها ولا أوهام موثوقٌ بها أيضًا، كل شيء ممكن وغير ممكن، كل أمر قابل للتصديق وقابل للاستنكار في الوقت نفسه، فازداد التوتر وازداد الخوف وازدادت الأوهام وتحوّلت حياة السوريين، التي هي في الأساس تقف على مشارف الانهيار، إلى حالة من الارتياب وعدم اليقين، بل أكثر من ذلك تحوّلت إلى جحيمٍ تكتوي فيه الأرواح قبل الأجساد، ومن دون أي بارقة أمل تلوح في أفقهم تبشّر بفرج يأتيهم من عالم الغيب، طالما عالم الحاضر مظلم ومغلق في وجوههم. في ظلّ هذه الحياة الرهيبة الشرسة القاضمة للأرواح، يرى السوريون أنفسهم وقد صاروا على هامش مشاغل العالم الذي ما زال ضالعًا في مأساته، ولم يلتفت إلى مقتلته المستمرة منذ أكثر من تسع سنوات، وعندما يتذكّره إعلام هذا العالم يكون الخبر بحسب الأهمية التي تقاس نسبتها إليه، وليس إلى مصلحة الشعب السوري.

صارت أخبار سورية في مؤخرة النشرة، فيما لو ذُكرت، في ظل انشغال العالم بأخبار كورونا  

"ازداد التوتر وازداد الخوف وازدادت الأوهام وتحوّلت حياة السوريين، التي هي في الأساس تقف على مشارف الانهيار، إلى حالة من الارتياب وعدم اليقين"والذهول والخوف من القادم الذي لسان حال معظمهم في بلادنا يردّد في سرّه وفي العلن بسببه "الله يجيرنا من الأعظم". ... ما هو الأعظم بالنسبة للفرد السوري، الذي على الرغم مما دقّت الحرب من أسافين في الشعب الذي ينتمي إليه وجعله التضليل منقسمًا على نفسه، بل وقسمته النخب إلى فريقين، كل منهما كان في خطابها متجانسًا حدّ التطابق، أو يكاد يكون كتلة صماء بين موالاة ومعارضة، يبقى ينتمي، في النهاية، إلى حوض الموروثات ذاتها والآلام ذاتها والتاريخ نفسه والمستقبل القاتم عينه؟ وصل الشعب السوري إلى مرحلة من اللامبالاة بما يجري، فقد كانت كل الرهانات السابقة حول قضاياه وحقوقه وأزمته التي تفاقمت إلى حدود غير مشهودة خاسرة، ولم يعد يكترث بما يجري، أو بالأحرى لم يعد يستطيع أن يفهم ما يجري بأكثر من ارتفاع معدل الخوف والقلق على ما تبقى لديه من مقوّمات الحياة، وهي في حدودها الدنيا، فلقمة العيش صارت شاغله الوحيد في ظلّ الغلاء الذي فاق الوصف، وفاق قدرة الغالبية الساحقة على احتماله، وصارت صفحات التواصل الاجتماعي، "فيسبوك" خصوصا، البديل الوحيد لتحطيم جدران العزلة والخوف، بعدما وفّرت الحكومة له شبكة إنترنت بكفاءة أعلى من أي وقت مضى، كانت خاضعة فيه لأدوات ضبط تجعل من استخدامها أمرًا عسيرًا، وصارت هذه المواقع بكل ما توفّر من مواد مضلّلة المصدر الأكثر استخدامًا من أجل الاطلاع على الأخبار والأحوال، يتلقفون منها الإشاعات، ويبنون أوهامهم عليها، فمتابع هذه المواقع سوف يرى واضحا مدى اليأس الذي تمكّن من نفوس الناس، ومدى الاستخفاف بأي خبر ينتشر على الصفحات، خصوصًا إذا كان يقدّم إجراء حكوميًا أو قرارًا رسميًا، ردود الأفعال كردود الإنسان اليائس الذي لم يعد لديه اكتراث بالنتيجة، مهما كانت واعدة، وليست لديه ثقة بكل ما يُقال، لكنه في الوقت نفسه يتلقف أخبار التناقضات التي ظهرت أخيرا بين أقطاب النظام في رأس الهرم والخلاف القائم بين رامي مخلوف والنظام والفيديوهات التي ظهر فيها مخلوف يتحدث عن مشكلته ويطرح مظلوميته، يتلقفها بمزيد من القلق والخوف، ليس على مستقبل البلاد وإنما الخوف المطلق المجرّد الذي يُضاف إلى التهديد الوجودي المحدق به، الخوف من القادم الأعظم، لأن أفق السوري صار مظلمًا قاتمًا يلوح شبح الموت من بين ثناياه، تسع سنوات من الحرب والقلق والفقر والجوع والحرب واحتمال ما لم يُحتمل، بانتظار وعود وآمال تنتظر هذا الشعب الصابر، أو الذي عليه أن يكون صابرًا بدافع "الوطنية والدفاع عن الوطن والوقوف في وجه المؤامرة" التي صارت مؤامرات، تُتوّج برُهاب ما يتخفّى خلف تلك الأخبار، بعد كل التزييف والتضليل الذي تلقاه. إنه الضلال والتضليل في زمن كورونا.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع