في تمثيل منظمة التحرير الفلسطينيين

شكل الشتات الفلسطيني، ووقوع التجمعات الفلسطينية تحت سلطات قُطرية وسياسية مختلفة، خصوصية فلسطينية طبعت علاقة هذه التجمعات مع الإطار التمثيلي الذي عبرت عنه منظمة التحرير. لم تسمح الدول التي استضافت تجمعات فلسطينية بازدواجية سلطة داخلها، واحدة لمنظمة التحرير وأخرى لسلطات الدولة المضيفة، وإنْ كانت لم تعارض علاقة سياسية بين المنظمة والتجمعات الفلسطينية، ولكنها علاقة مرّت عبر فلتر سياسة الدولة ذاتها. بذلك بقيت الصيغة التمثيلية بين التجمعات الفلسطينية ومنظمة التحرير ضبابية بالمعنى العملي، تستمد قوتها من توافق الفلسطينيين على اعتبار منظمة التحرير ممثلهم في مختلف أماكن وجودها، وليس من الآلية التمثيلية التي تعكس تمثيل هذه التجمعات بالمعنى التقني لهذه التجمعات، بشبكة تمثل حقل سياسي تقليدي، تكون صناديق الاقتراع أداته. وهو ما يعني أن التجمعات الفلسطينية استطاعت أن تطور "مخيالا جماعيا" فلسطينيا مشتركا، وحد التجمعات الفلسطينية على مجموعة من الرموز ذات الدلالة الوطنية، والتي باتت تشكل الهوية الفلسطينية الجامعة للفلسطينيين، بعيداً عن علاقات تحكمها سلطات الدولة التقليدية، حيث يكوِّن احتكار العنف المادة اللاصقة للسلطات. 

"شكلت منظمة التحرير، في غياب الوطن المسلوب، وطناً رمزياً جامعاً، أكثر مما شكلت إطاراً تمثيلياً بالمعنى الحقوقي التشريعي والتمثيلي والقضائي"  

لم يعرف الفلسطينيون، في تاريخهم الحديث والمعاصر، هذه الصيغة من العلاقات التقليدية للحقل السياسي الذي تشغله دولة تمثل مجموعة من السلطات، تحتكر السيطرة على مواطنيها، حيث يخضع الجميع لسلطاتها من خلال حزمةٍ من القوانين الملزمة المدعومة بأجهزة قمع. كما لم يسيطر الفلسطينيون يوماً على حقلهم السياسي، إلا جزئياً وبشروط قاسية تجعل هذه السيطرة مثلومة، وهذا ما مثلته تجربة السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو في العام 1993. كان "المخيال الجمعي" الذي طوّره الفلسطينيون لوحدتهم ولروابطهم الوطنية، على الرغم من تباعد هذه التجمعات وخضوعها لأنظمة سياسية مختلفة، أقوى، في معانٍ كثيرة، من علاقات اجتماعية قائمة داخل مجتمعات توحدها دول قائمة، وهو ما يمكن أن يطلق عليه خصوصية النظام السياسي الفلسطيني، المرتبط بخصوصية التجربة الفلسطينية ذاتها، فهذا النظام السياسي المفتقر إلى الإقليم الجغرافي الواحد شكل مجال التفاعلات والتشابكات التي كوّنت التجربة الفلسطينية الحديثة، ورسمت ملامح هوية الفلسطينيين. ويبدو أن السبب وراء ذلك يعود إلى قوة (وفعالية) التجربة المشتركة الواقعية التي أنتجت رموزاً يتحد الفلسطينيون حولها، وتعني لهم المعاني ذاتها الدلالات ذاتها، على الرغم من التباعد بينهم. وبعد أن وحدتهم النكبة والمخيم والشتات وفقدان الوطن، وحدتهم، منذ أواخر الستينات، معاني الكفاح المسلح والتمثيل السياسي الذي شكلته منظمة التحرير بوصفها وطنهم المعنوي، والصراع المباشر مع إسرائيل .. وعنى ذلك كله للفلسطينيين أنهم يمثلون قضيتهم، وأنهم أخذوها بأيديهم، أو أنهم تحولوا إلى "بلاد تتنقل"، بتعبير إلياس صنبر، أكثر ما عنى لهم أن الأطر التمثيلية للمنظمة تمثل تجمعاتهم السكانية بالمعنى التقليدي لمفهوم التمثيل. ولم يكن سؤالهم: كيف نتمثل في منظمة التحرير، بقدر ما كان كيف تمثلنا منظمة التحرير؟ وكان الالتفاف الفلسطيني حول المنظمة هو الذي جعلها تمثّلهم، وكان جوابهم على التمثيل. شكلت النكبة والمخيم والشتات والبندقية والصراع مع إسرائيل الصمغ اللاصق للتجمعات الفلسطينية، وصنع انتماءهم. وبذلك، لم يكن غريباً أن تشكل منظمة التحرير الوطن المعنوي للفلسطينيين في غياب الوطن الحقيقي، بفعل الكارثة التي حلت بهم، وحتى تكون كذلك كانت تحتاج إلى الالتفاف الفلسطيني حولها، والذي منحته التجمعات الفلسطينية المختلفة للمنظمة. 

"لا تلغي فرادة التجربة الفلسطينية وخصوصيتها المشكلات البنيوية التي عانتها هذه التجربة"

شكلت منظمة التحرير، في غياب الوطن المسلوب، وطناً رمزياً جامعاً، أكثر مما شكلت إطاراً تمثيلياً بالمعنى الحقوقي التشريعي والتمثيلي والقضائي، يمكن السيطرة علية بالسيطرة على المجال الجغرافي الذي يشغله. وكانت هذه الخصوصية هي التي سمحت لهذا الوطن المعنوي بالانتقال أكثر من مرّة من مكان إلى آخر، من دون أن يمس ذلك طبيعته، ولو أنه كان يُضعف العلاقة بين بعض التجمعات الفلسطينية والإطار التمثيلي، ولكنه لم ينجح في قطع هذه العلاقة بين أي تجمعٍ فلسطيني وبين التعلق الرمزي بالوطن المعنوي، الذي تحول، في حالاتٍ كثيرة، إلى تعلق مصيري، في الجذب الذي شكلته معارك الدفاع عن الوجود الفلسطيني، للتجمعات الفلسطينية في كل مكان، والتي سقط خلالها آلاف شهدائها على أراضٍ لم تكن هي أرض وطنهم، ولم تكن أراضي منفاهم الإجباري، كانت أرض الدفاع عن وطنهم المعنوي بعد فقد الوطن الحقيقي. 

شعر الفلسطينيون في كل وقت، وفي أي مكان كان مركز ثقل العملية الوطنية الفلسطينية، بأنهم مشدودون إلى هناك، ولم يتورّعوا عن الذهاب إلى هناك، ليدافعوا عن وطنهم الرمزي بدمائهم، عندما استطاعوا ذلك. وبحكم هذه الخصوصية التمثيلية الفلسطينية، لم تكن السيطرة على هذا الإطار التمثيلي للفلسطينيين ممكنةً في حال احتلال مكان ثقل هذا الإطار الرمزي، وهذا ما دلّت عليه تجربتا الأردن ولبنان. لأن العيش في هذا المكان أو ذاك لم يكن هو قوة التمثيل للإطار الرمزي، بقدر ما كان التوافق الفلسطيني عليه هو الحامي الفعلي للإطار الرمزي من التدمير الإسرائيلي، ومن محاولات الهيمنة والإلحاق العربية. وكان التمسّك بهذا الإطار في لحظات الخطر أكبر منها في الأوقات العادية، وبذلك نجح الفلسطينيون في التوافق على وطن من دون أن يملكوا جغرافيا يؤسّسون عليها وطنهم، فأسسوا وطنهم على "مخيال جمعي" كان المادة اللاصقة لكل أماكن وجودهم.

لا تلغي فرادة التجربة الفلسطينية وخصوصيتها المشكلات البنيوية التي عانتها هذه التجربة، فقد شوّهت هذه الخصوصيات من أشكال نمو العلاقات المؤسسية بالمفهوم الدولاني للكلمة في النظام السياسي الفلسطيني. وبمعنى آخر، استطاع الفلسطينيون أن يطوروا "مخيالا جمعيا" يصلح أساساً لبناء علاقات في إطار دولة موحِّدة لهذا الشعب، ولكن واقع حال الوجود الفلسطيني المشتت جعل من إمكانية تحويل هذا "المخيال الجمعي" إلى علاقات مؤسساتية في إطار دولة على أرض الواقع ضرباً من المستحيل. وبذلك كان الحقل السياسي الفلسطيني ذا طبيعة انتشارية، إذا صح التعبير، حقلا سياسيا يجمع بشرا يقيمون في دول عديدة، وينتمون إلى وطن معنوي، يفتقر إلى الروابط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحقوقية الملزمة لمن ينتمون إليه. وبهذا المعنى، كانت التجربة التمثيلية بين التجمعات الفلسطينية، والإطار التمثيلي الذي شكلته منظمة التحرير، مرجعية للفلسطينيين، تعكس علاقاتٍ مشوهة، وقد ساهمت سياسات التفرّد للقيادة الفلسطينية، وعدم ابتكار آليات مؤسساتية صالحة للأوضاع الخاصة للفلسطينيين في زيادة هذه التشوهات وتعميقها. ولم تقتصر مسؤولية هذه التشوهات على القيادة الفلسطينية وواقع الشتات الفلسطيني، فقد كانت مسؤولية الدول المضيفة عاملاً رئيسياً آخر في تعزيز هذه التشوهات، فما كانت الدول العربية المضيفة لتقبل مثلاً آليات تمثيل ديمقراطية في التجمعات الفلسطينية التي تعيش بين ظهرانيها، في وقتٍ تعيش هذه التجمعات في ظل دولة شمولية، هذا إذا عزلنا كل قضايا الخلاف الأخرى جانباً.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع