أن تكون "الآخر" في الحرب على الفيروس

يقدّم شريط دعائي على التلفزة البريطانية مبادرةً قامت بها مجموعة من المطاعم للتبرّع بالطعام لعاملي الجهاز الطبي في خط الدفاع الأول في وجه كورونا. يُظهر الشريط عاملي المطاعم يحضرون علب الطعام الجاهز، وغالبيته من "الفاست فود" معبرين عن محبتهم مؤسسة "أن أش أس" (نظام الرعاية الصحية العمومية المجانية)، في حين نرى في الجزء الأخير من الشريط عمال المنظومة وعاملاتها يتناولون الطعام في فترة الاستراحة. لا غريب في الشريط إلا أن غالبية العاملين في تجهيز الطعام أو المستفيدين من تناوله من ملوني البشرة. لم تقدّم أزمة كورونا جديدا سوى أنها كشفت الصورة القبيحة لانفصام مجتمعي بين من يتمتع بالأمان (النسبي) ومن يفتقده تماما في خط الدفاع الأول في مواجهة الفيروس القاتل.

بتنا، في الآونة الأخيرة، نرى سحنات سمراء في الإعلام أكثر من أي وقت سبق. ليس من باب التنوّع الإعلامي، إنما لمرافقة ما بات يشكل فصلا أساسيا من فصول جائحة كورونا في أوروبا، وفي بريطانيا خصوصا، وهو حقيقة أن هؤلاء يشكلون الغالبية العظمى من ضحايا الفيروس.

أطلقت منظومة الصحة العامة البريطانية تحقيقا عن أسباب ارتفاع أعداد الوفيات في العاملين  

توفي 3378 في مستشفيات إنكلترا من ملوني البشرة، بما يمثل 17% من معدلات الوفيات فيها من جذور اغترابية، أو ما يسمى الأقليات الإثنية، وكذا فعل حزب العمال في إطلاق تحقيق خاص في الظاهرة التي باتت موازيةً لخريطة انتشار الفيروس في البلاد. حاولت الحكومة التخفيف من أهمية الظاهرة، إذ شكك رئيس الفريق الطبي الرسمي بالإحصاءات، وقال إنها غير نهائية، في حين شدد، في الوقت نفسه، على ضرورة تحرّي المجموعات الأكثر عرضة للفيروس.

بحسب الإحصاءات الرسمية المتوفرة حتى الخامس من مايو/ أيار الجاري، ثمّة 3378 متوفى من إصابة بالفيروس في مستشفيات إنكلترا من المتحدّرين من الاغتراب من ملوني البشرة، بما يمثل 17% من معدلات الوفيات حتى تاريخه. قسط قليل من التغطية الإعلامية يتقصّى هذه الظاهرة، ولو أن الأرقام يتم تداولها باعتبارها ظاهرة تفترض البحث. ماذا يجري في الجانب الآخر من العالم، حيث المجبرون على مزاولة الأعمال الصغيرة الأساسية يركبون وسائل النقل العام يوميا في الاكتظاظ الخانق، والكمّامات على قلتها تكاد لا تحمي من الفيروس القاتل؟ لا نعرف سوى القليل عن هؤلاء. كذلك لا نعرف الكثير عن المجموعات الإثنية التي تشكل أكثر البيئات عرضةً للفيروس، ومنها يهود منطقة برنت ومسلمو منطقة تاور هاملت في لندن. بلغت نسبة المصابين بحالات خطرة بفيروس كورونا 15.4% من الآسيويين. من غير المستغرب أن تكون الإصابات الأعلى في لندن، حيث 40% من السكان هم من الأقليات الإثنية، بحسب إحصاء عام 2011، وقد وجدت دراسة لمعهد الدراسات الضريبية أن معدل الوفيات من أصول أفريقية سوداء أعلى بنسبة 3.5% من 

بلغت نسبة المصابين بحالات خطرة بفيروس كورونا 15.4% من الآسيويين وفيات البيض البريطانيين.

إلى عاملي الصحة العاملة والنقل والتوزيع والبائعين في المحال التجارية، انضم إلى خط الدفاع الأول المدرسون، بعد أن شنت وسائل الإعلام، تتقدمها الصحافة الصفراء حملة عاتية عليهم باسم حق الأطفال بالدراسة، ردّا على رفض نقابتهم العودة إلى التدريس في أجواء غير آمنة. هل هؤلاء هم أيضا من ملوني البشرة؟ ما نعرفه أن هؤلاء، بصرف النظر عن لون بشرتهم، من شريحة واسعة من العمالة التي لا تجتذب أبناء الطبقات الميسورة الذين يتمتعون حاليا بنعيم العمل من المنزل. أطلقت يومية ديلي ميل واسعة الانتشار عنوانا عريضا داعية معلمي المدارس إلى الانتفاض على نقاباتهم، بأن يتحولوا أبطال المعركة ضد "كوفيد – 19"، وهو ما ترجمته تعليقات ساخرة بدعوة هؤلاء إلى الموت دفاعا عن المنظومة، أسوة بعاملي النظام الصحي. النظام يبحث عن "انتحاريين" جدد.

طلب رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، ممن لا يمكن أن يعمل من منزله أن يعود إلى العمل، ولسان حاله: إن كنت من هؤلاء الذين لا ينعمون بحظوة العمل من المنزل وتقاضي راتبك الشهري كاملا، عليك أن تعود إلى العمل بالسيارة أو الدرّاجة، لتفادي إرهاق النقل العام، إذا ما وجدت إلى ذلك سبيلا. الإعلان الذي أثار موجة عارمة من السخرية، لتناقضه وعموميته، قسم عالمنا بوضوح إلى قسمين: الذين يملكون خيار الأمان النسبي في المنزل والآخرين ممن لا يملكون سوى المقامرة بالحياة من أجل لقمة العيش. أن يملك هؤلاء سيارة أو درّاجة لقصد مكان العمل فتلك نكتة أخرى بالنسبة لهؤلاء الذين سيكون عليهم المغامرة بركوب 

طلب رئيس الوزراء البريطاني ممن لا يمكن أن يعمل من منزله أن يعود إلى العمل النقل العام أو السير كيلومترات مشيا على الأقدام. في حين يقصد هؤلاء مراكز العمل كالقطيع من دون أي حماية. يتظاهر المئات ضد إجراءات الحظر باسم الحريات الشخصية، مهاجمين وسائل الإعلام بتهمة تزوير الحقائق (فيك نيوز) وبأن الصحافة باتت هي "الفيروس" في الولايات المتحدة، حيث يواجه أبناء الأقليات الإثنية المصير نفسه. وكذا يعتقد ثلثا المؤمنين في البلاد أن فيروس كورونا يحمل رسالةً من الله، ردا على إهمال البشر وجنونهم.

لن يختلف عالمنا قبل رفع الحظر وبعده. من يتمتع بنعمة العمل من المنزل بات يتمتع بفرصة التنزه بلا حدود. لم يعد أمام الملزمين بالعمل مجال للمناورة في رفض العودة، وما يرافقها من خطر، إذا ما كانوا في الأساس قد حظوا باستراحة منها. صور وسائل النقل المزدحمة بالمستخدمين، وغالبيتهم العظمى من ملوني البشرة، تعكس الواقع على قبحه. في البارك الجميل شمال لندن، يزدحم المتنزهون من أبناء الطبقات الوسطى والمرموقة يقصدون المتنزه بسياراتهم أو دراجاتهم من دون كمّامات أو أي قلق من تباعد اجتماعي. يبدو هؤلاء، وغالبيتهم العظمى من البيض، أكثر قلقا على الصحة النفسية لكلابهم من أخبار العالم المتزايد انهيارا من حولهم.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع