السعودية والعراق .. علاقة محكومة

لم تستقر العلاقات بين العراق والسعودية منذ ما قبل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، فحتى على أيام النظام السابق، شهدت قطيعة دامت 13 عاماً إثر الغزو العراقي الكويت عام 1990، ولما عادت كانت عودتها خجولة، لأسباب شتى، لعل من أهمها الرغبة الأميركية أولاً بعدم التدخل العربي، والخليجي خصوصًا، في عراق ما بعد 2003. هذه الرغبة هي التي أفسحت المجال للتوغل الإيراني الذي ما كان له أن يكون لو أن الولايات المتحدة وقفت موقفاً مناهضاً ومعارضاً له، وسمحت للدول العربية والخليجية بأن توجد في عراق ما بعد 2003، غير أنها اكتشفت، بعد سنوات قلائل، أن إيران في العراق لا تريد منافساً ولا حتى شريكاً، ما حدا بالولايات المتحدة، ومع كل تشكيل حكومي في العراق، إلى الدفع بدول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، من أجل إيجاد موطئ قدم لها في العراق لمزاحمة النفوذ الإيراني، وقد شوهد ما حصل مع حكومة حيدر العبادي، ثم حكومة عادل عبد المهدي المستقيلة، وأخيراً مع حكومة مصطفى الكاظمي الذي أوفد وزير ماليته، علي عبد الأمير علاوي، إلى السعودية في أول زيارة خارجية لمسؤول في الحكومة الجديدة. وأثارت الزيارة لغطاً كبيراً، ونُسجت عنها أخبارٌ كثيرة، وقد جاءت بعد أيام من اقتحام متظاهرين عراقيين مكتب قناة أم بي سي العراق، السعودية، في بغداد، لوصف برنامج فيها أبو مهدي المهندس، نائب رئيس الحشد الشعبي الذي اغتيل في غارة أميركية مطلع العام، بالإرهابي، في معرض حديث عن عملية تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981، والتي نفذها المهندس وأعضاء في حزب الدعوة.

تضمّنت زيارة الوزير علاوي، في عنوانها العريض، طلبا عراقيا من السعودية لاقتراض ثلاثة 

"اكتشفت أميركا، بعد سنوات قلائل من احتلالها العراق، أن إيران في العراق لا تريد منافساً ولا حتى شريكاً" مليارات دولار، لتسديد رواتب الموظفين والمتقاعدين في ظل الأزمة المالية الخانقة التي يعيشها العراق، وهي أزمة عبّر عنها الكاظمي، في مقالٍ نشره قبل أيام، ذكر فيه أنه استلم خزينة شبه خاوية، في ظل أزمة أسعار النفط العالمية، وتفشّي جائحة كورونا، وطبعاً في ظل المطالب الشعبية المتواصلة عبر التظاهرات التي دفعت سلفه عبد المهدي إلى تقديم استقالته. والملفات التي بحثها علاوي في السعودية كثيرة، فبالإضافة إلى الاقتراض، كان ملف الاستثمار السعودي في حقل عكاز الغازي، غرب العراق، والذي كانت تسعى السعودية إليه، بعدما تعثرت الشركة الكورية الجنوبية بالتنفيذ، إثر سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على محافظة الأنبار قبل سنوات.

سبق أن قدمت السعودية دعماً لحكومات العراق، خصوصا حكومة حيدر العبادي (2014 - 2018). وقدمت دعماً لشخصية شيعية مؤثرة، مقتدى الصدر، الذي زار السعودية، والتقى ولي العهد محمد بن سلمان، لكن ذلك كله لم يكن كافياً لأن تردع الحكومة العراقية المليشيات الممولة من إيران التي ما فتئت تهدّد السعودية، بل إن تقارير ذكرت أن الهجوم الذي استهدف شركة آرامكو، في سبتمبر/ أيلول 2019، انطلق من صحراء السماوة في العراق، وليس من اليمن كما ادّعى الحوثيون. وما زالت الحكومات العراقية أضعف من أن تفتت تلك المليشيات، وتصادر سلاحها، وهي التي غالباً تأتي بموافقة إيرانية، على أن تضمن بقاء السلاح بيد  المليشيات من دون مساس.

الدعم السعودي للعراق تتحكّم به الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، إذ تعتقد أنه يمكن أن يسحب البساط من تحت أقدام إيران. ربما كان هذا الكلام صحيحاً قبل عشر سنوات أو أكثر، قبل أن تتحوّل إيران الى متحكّم ومتنفذ في كل مفاصل العراق، سياسية واقتصادية واجتماعية، وحتى عسكرية. الدعم من السعودية سينقلب عليها كما في كل مرّة، فهي لم تضع أي شرط على الولايات المتحدة التي طلبت منها تقديمه، كأن تطالب بضماناتٍ بأن لا يكون العراق مصدراً لاي هجماتٍ تنفذها المليشيات الشيعية. كان عليها أن تنتظر قليلاً، وترى ما يمكن أن ينفذه الكاظمي من وعود بالإصلاح، وفي مقدمتها محاربة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، قبل أن تبادر لتقديم دعم لها، سيسهل عمل حكومة الكاظمي، ولكنه قد ينقلب على السعودية، خصوصا في حال فشلت جهود الكاظمي لتحقيق وعوده. وما زالت المليشيات أقوى من الدولة العراقية، وهذه الميلشيات، وبعد يوم من زيارة وزير المالية العراقي إلى السعودية، هدّدت بنقل عملياتها المسلحة إلى السعودية، من دون أن تنبس حكومة الكاظمي ببنت شفة.

المشكلة في علاقة السعودية مع العراق بعد 2003 أنها محكومة برغبة أميركية أكثر من رغبة سعودية خالصة، فالولايات المتحدة لا ترى في السعودية إلا بنك تمويل لخططها 

"المشكلة في علاقة السعودية مع العراق بعد 2003 أنها محكومة برغبة أميركية أكثر من رغبة سعودية خالصة"  ومشاريعها، وما زالت تعتقد أن وجودا سعوديا في العراق، عبر الاقتصاد والمشاريع، قادر أن يزاحم نفوذ إيران، وهي التي تعلم جيداً أن حتى إيران ترغب بوجود هذه الاستثمارات السعودية، لأنها ستصبّ، بطريقةٍ أو بأخرى، في دعم حكومة حليفة في بغداد، ناهيك عما يمكن أن يصل إليها من دعم عبر مليشياتها المسلحة. أما علاقة العراق بالسعودية فهي الأخرى محكومةٌ بما تريده إيران بالدرجة الأساس، فحينما شعرت إيران أن الضغط الاقتصادي كبير على حكومة بغداد، وأن هذا الضغط قد يفجّر الشارع الغاضب أصلاً، سمحت لحكومة بغداد بنسج علاقة مع السعودية.

ستبقى العلاقة السعودية العراقية محكومةً بمن يتحكّم بالمشهد السياسي في كل من إيران والولايات المتحدة، فشهر من التهدئة بين البلدين قد يتبعه عام من الخصام والتهديدات المتبادلة، وينعكس ذلك كله بشكل سريع على علاقة العراق والسعودية، العلاقة التي ينبغي لها أن تخرج من عباءتي إيران وأميركا، وأن تستعيد عافيتها.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع