عن نوستالجيا النظام الرئاسي في تونس

عن نوستالجيا النظام الرئاسي في تونس

تنفجر نوستالجيا النظام الرئاسي في تونس، هذه الأيام، في صيغة حركةٍ تبشيريةٍ، تقودها شخصيات عمومية، وأحزاب سياسية، ووسائل إعلامية وأخرى اتصالية، تدعو إلى تعليق العمل بالدستور والبرلمان التونسيين، وإحياء النظام الرئاسي الذي أقرّه دستور تونس لسنة 1959، منتهي الجدوى والصلاحية سنة 2011. ويستمد هذا الحنين شرعيته من عدم استقرار النظام البرلماني المعدّل الذي ارتضاه المجلس الوطني التأسيسي، وضمنه الدستور التونسي لسنة 2014، ولما اتسم به عمل البرلمان التونسي من ضعف في الأداء، مقابل هدر الوقت والقدرات، في نقاشات بيزنطية، وصراعات إيديولوجية، ومناكفات سياسية، ومعارك هامشية، بين تنظيمات سياسية وحزبية لا يخفي بعضها تطرّفه وميوله العنيفة الدينية، ونزوع بعض آخر إلى إحياء الحزب القديم المنحلّ المتلاشي، وإعادة إنتاجه تحت شعارات شعبوية، حتى بات مجلس نواب الشعب عنوان ضعف الكفاءة، وترذيل السياسة، والتندر الشعبي الذي تغذّيه خطاباتٌ تحريضية، وأحاديث تهكّمية، تبثها برامج إذاعية وتلفزيونية، وتنشرها منصات اجتماعية وشبكات اتصالية.

ولكن تلك النزاعات التي أحيت الحنين إلى النظام الرئاسي، وتكاد تتحول إلى مشترك يسكن الوعي الجمعي التونسي، بما في ذلك وعي النخب الفكرية والسياسية، لا تحول دون إجراء أركيولوجيا تاريخية عن ذلك النظام منذ نشأته أول مرّة سنة 1957، ومسيرته نصف قرن أو يزيد، وعوامل فشله والثورة عليه وإسقاطه يوم 14 يناير/ كانون الثاني 2011. فقد انتصب الحبيب بورقيبة، الممتطي شرعية الحركة الوطنية ورئيس حكومة الاستقلال زمن حكم محمد الأمين باي الملكي، أول رئيس للجمهورية التونسية، التي أُعلنت يوم 25 يوليو/ تموز 1957 من على منبر المجلس القومي التأسيسي الذي انتُخب يوم 25 مارس/ آذار 1956 من أجل 

"يستمد الحنين شرعيته من عدم استقرار النظام البرلماني المعدّل الذي ارتضاه المجلس الوطني التأسيسي، وضمنه الدستور التونسي لسنة 2014"  وضع دستور للبلاد وإقامة نظام ملكي - دستوري، ومن ثمّة إنهاء حكم سلالة البايات الأتراك - الحسينيين الذي أقامه حسين بن علي التركي سنة 1705. ولكن الرئيس الأسبق، الحبيب بورقيبة، صاحب التكوين الحقوقي والقانوني المتشبع بالثقافة السياسية الليبرالية الغربية، والذي اشتغل بالمحاماة والصحافة، وسُجن لأجل أفكاره السياسية وتمثّلاته الوطنية، بعدما زاول دراسته في المدرسة الصادقية بتونس وبجامعة السوربون الفرنسية، وبعدما شارك في التظاهرات الفكرية ومتابعة الدروس النفسية التي كانت تُلقى في مستشفى سانت – آن الفرنسي، المعروف عنه حضوره مناقشات مجلسي النواب والشيوخ الفرنسيين، وانحنائه أمام تمثال أوغست كونت، صاحب المقولة الشهيرة "عش للآخرين"، وتأثره بفلسفته الوضعية، كان يرى في نفسه ملكا على شاكلة بايات تونس، أكثر من كونه رئيس جمهورية، يقبل بالتداول على الحكم وفق انتخاباتٍ دوريةٍ شفافةٍ وغير مزوّرة. حتى أنه كان يتغنّى في ميعاد خواصّه "إيجا يا فطّومة شوف ولدك ولّى باي"، وفطومة هي والدة الرئيس بورقيبة، والباي هو حاكم البلاد وملكها، وهذا التغنّي هو الترجمة العملية لوصف بورقيبة "العاهل الجمهوري" الذي استعمله محمد مزالي في كتابه "نصيبي من الحقيقة".

والترجمة السياسية لرغبة الرئيس الذي استجاب لمناشديه في مؤتمر حزبه سنة 1974 بتولي الرئاسة مدى الحياة قائلا "هذا الاقتراح عُرض عليّ منذ عام 1959 في المجلس التأسيسي فرفضته، ثم عُرض في المؤتمر الماضي، إلّا أنّه كان هناك من يضايقه هذا الاقتراح، والآن أنا مستعدّ لقبوله إن كان بالإجماع وأنا من خُلقت في خدمة الشعب"، اقتراح سرعان ما استحال تنقيحا للدستور التونسي في فصله عدد 39 المؤرخ في 19 مارس/ آذار 1975 جاء فيه: "وبصفة استثنائية، واعتبارا للخدمات الجليلة التي قدّمها المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة للشعب التونسي، إذ حرّره من ربقة الاستعمار، وجعل منه أمة ودولة مستقلّة وعصرية كاملة السيادة، يعلن مجلس الأمة إسناد رئاسة الجمهورية مدى الحياة إلى الرئيس الحبيب بورقيبة". وستكون تلك الفكرة المناقضة للحداثة السياسية الغربية، ومقتضيات مبادئ التعدّد والتمثيل السياسي، وفصل السلطات المستندة إلى الحقوق وحريات الفكر والتعبير والتنظيم، التي تشبّع بها بورقيبة في تجربته الباريسية، منشأ حكم استبدادي وبوليسي شخّصه الزعيم النقابي أحمد التليلي، الذي توفي في ظروف غامضة، في رسالةٍ موجهة إلى رفيق دربه الرئيس بورقيبة سنة 1966 واصفا جهاز البوليس بقوله "إن هذا الجهاز وما يسبّبه من نفقاتٍ لعبء ثقيل على كاهل هذا البلد الصغير.. فكل مواطن اليوم مهما كانت منزلته في المجتمع، ومهما كانت وظائفه السياسية، هو مراقب مراقبة شديدة من طرف أنواع عديدة من البوليس".

وستكرّر هذه الفكرة لدى المؤرخ التونسي، مصطفى كريم، في مقاله المرجعي "تأملات في شخصية بورقيبة"، قائلا "إن السنوات الأخيرة للنظام قد شهدت قمعا شنيعا تمثّل ذلك في أحداث 26 جانفي 1978 ثم أحداث قفصة سنة 1980 ثم ثورة الخبز، إلى آخره. إن هذا القمع قد نجح في القضاء على قوى المجتمع المدني والتي أخذت في البروز وتهيئة الأرضية  

"كان بورقيبة يتغنّى في ميعاد خواصّه "إيجا يا فطّومة شوف ولدك ولّى باي"، وفطومة هي والدته" لإقامة بوادر دكتاتورية بوليسية في النظام البورقيبي". وهذه الدكتاتورية التي طال قمعها وانفتحت سجونها ومعتقلاتها وآلتها في تصفية وملاحقة كل القوى السياسية والحزبية والنقابية والطلابية والإعلامية والمدنية، وكل من اختلف مع الرئيس بورقيبة وحزبه الدستوري، مهما كان لونه السياسي من يوسفيين وعروبيين ويساريين وإسلاميين ودستوريين، هي ثمرة النظام الرئاسي وحزبه الواحد، الذي كان في كلّ مرّة يخوّن مخالفيه ومعارضيه ويجرّمهم، وحتى مقرّبين منه، ويزوّر الانتخابات من أجل الاستمرار في الحكم، بشهادة أحمد التليلي، الذي دوّن في رسالته السالفة الذكر "كان بعض الحزبيين ومن ضمنهم مرشّحون يتساءلون في ما بينهم لماذا تنظّم الحكومة انتخابات، لماذا كلّ هذه المصاريف وكلّ هذه المشاق للإتيان بالناخبين ودعوتهم إلى وضع الورقة الوحيدة التي كانت على ذمّتهم في صندوق الاقتراع بدون أية إمكانية في الاختيار؟"، وباعتراف محمد مزالي، الذي علّق، في رسالته المفتوحة إلى بورقيبة عام 1988، على تزوير الانتخابات التشريعية لسنة 1981، والتي أشرف عليها من موقع الوزير الأول "بأنه وصمة عار أصابت الديمقراطية، وكان عليّ أن أذهب أبعد من ذلك وأقدّم استقالتي".

ولقد تدعّم هذا الخيار الاستبدادي القمعي للنظام الرئاسي باختيار بورقيبة الحداثي التفكير العسكري زين العابدين بن علي لتولي مناصب أمنية متقدّمة في الدولة، على غرار الإدارة العامة للأمن الوطني ووزارة الداخلية والوزارة الأولى، ما مكّنه من قمع الحركات الاجتماعية والمدنية ووأد الأحزاب السياسية، والقيام بانقلابه الطبي في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 1987. وعلى الرغم من إعلانه، منذ البداية، في بيانه عشية إطاحة الرئيس الحبيب بورقيبة، أن لا رئاسة مدى الحياة بعد اليوم، إلا أنه طوّع جميع النصوص القانونية لرئاسةٍ كان يبغي ديمومتها على الطريقة البورقيبية، واستنساخها بشكل مشوّه، فهو لا يعتبر نفسه أقل شأنا وقيمة من بورقيبة، منتهجا المناشدة وتنقيح الدستور سنة 2002 بالرفع من السنّ القصوى للترشّح للانتخابات الرئاسية من 70 إلى 75 عاما وإلغاء القيود المفروضة على عدد ولايات الرئيس التي كانت محددة بثلاث فقط، والاعتماد على التجمع الدستوري الديمقراطي التونسي (الحاكم) حزبا للدولة، يتولى مراقبة المجتمع وتوجيهه، مستندا إلى مقاربةٍ أمنيةٍ يؤمنها جهاز بوليسي  

"الثغرات التي ظهرت في تجربة النظام البرلماني المعدّل لا تساوي نفسا بشرية واحدة قُتلت بغير وجه حق في ظل النظام الرئاسي" شوكته قوية، يخضع لإمرته مباشرة، سمته الرئيسية اضطهاد المعارضين، بمن فيهم الذين يشكّلون أدنى خطر على النظام الحاكم، حتى أصبحت تونس جمهورية الخوف، على حد تعبير المؤرخ التونسي الهادي التيمومي في كتابه "الاستبداد الناعم".

كل هذا الإرث الشديد القتامة الذي فاضت به كتب المؤرخين، وطفح في تقارير الدبلوماسيين ومقالات الصحافيين ومنصات المدوّنين، عن تجربة النظام الرئاسي في تونس، لم يترك حيزا أمام النواب المؤسسين (2011 – 2014)، للتفكير في إعادة إنتاجه، ومركزة السلطة من جديد في يد رئيس واحد، بعدما امتزجت السياسة بالاستبداد والفساد، وانتعش حكم العائلة ونهب ثروات الدولة في الفترتين البورقيبية والبنعلية. وإن الثغرات التي ظهرت في تجربة النظام البرلماني المعدّل لا تساوي نفسا بشرية واحدة قُتلت بغير وجه حق في ظل النظام الرئاسي الذي شهد من المآسي الإنسانية والمذمة السياسية ما لا يحصى ولا يعد، والأجدر إصلاح تلك الثغرات الناتجة عن عجزٍ في التسيير والإدارة، ونهم في الحكم من رئيس مجلس النواب، أو لإخلالات في القانون الانتخابي، وجب معالجتها بوضع ميثاق شرف برلماني، واعتماد معايير أخلاقية وسياسية وعلمية، تقي المجلس من الانحرافات التي تطرأ عليه من حين إلى آخر.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع