تونس عندما تشتهي انتهاء تنازع الصلاحيات

يواجه النظام السياسي التونسي، منذ ثورة الكرامة (يناير/ كانون الثاني 2011)، صراعات عدة، لا تزال تطل برأسها وتتعمق أبعادها، حتى بات الحديث عن أزمة سياسية تونسية حديثاً معاداً مكرراً، تردده النخب بمختلف أطيافها، وتضج به الفضاءات العامة ومواقع التواصل الاجتماعي وأجهزة الإعلام الرسمية والخاصة، فيما أصبح الحديث عن انتقال ديمقراطي سلس وفعلي محض أحلام لم تنجح الأحزاب الحاكمة والمتمترسة في المعارضة وكيانات المجتمع المدني وصناع الرأي العام في أن تدفع إلى تجاوز هذه الصراعات بالاتجاه الذي حلم به التونسيون من تحقيق ثورتهم.

جديد هذه الصراعات فجرته المكالمة الهاتفية التي أجراها رئيس مجلس النواب، راشد الغنوشي، مع رئيس حكومة الوفاق الليبية (الحكومة الشرعية)، فائز السراج، لتهنئته بعد إعلانه سيطرة قوات الحكومة على قاعدة الوطية العسكرية وانسحاب مليشيات خليفة حفتر. وفجرت المكالمة جدلاً واسعاً من أحزاب سياسية ومكونات المجتمع المدني وأساتذة في القانون الدستوري، ما دفع نواباً في البرلمان إلى مساءلة رئيس المجلس، بدعوى أنه "تجاوز صلاحياته متدخلاً في مسائل دبلوماسية ليست من مهامه، ذلك أن دستور 2014 ينص على أن هذه المهام ترجع لرئيس الجمهورية وحده، علاوة على ما تم من خرق لمواقف تونس الرسمية من الأزمة الليبية، والموسومة بالحياد وعدم التدخل في الشأن الليبي". ويصدر موقف نواب أربعة أحزاب طالبوا بمساءلة الغنوشي (خصص لها البرلمان الجلسة العامة لـ 3 يونيو/ حزيران) عن الفصل 77 من الدستور، "والذي يضبط اختصاصات رئيس الجمهورية، إذ إنه يمثل الدولة ويختص برسم السياسات العامة في مجالات الدفاع وفي العلاقات الخارجية وفي الأمن القومي المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة".

لافتٌ أن رئاسة الجمهورية لم تصدر موقفاً رسمياً إزاء ما اعتبر تجاوز الغنوشي صلاحياته، مكتفية بتسريبات صحافية صادرة عنها في الصدد، أشاعت أنه ليس هناك داعٍ في الوقت الحاضر لإصدار موقف أو تصريح، لأن فصول الدستور واضحة في توزيع الاختصاصات، وقد أعطى  

"يبدو المشهد قابلاً للتفجر، ما سيولد أزمة سياسية كبرى، ستكون تداعياتها حادّة على أداء الحكومة" هذه المهام إلى رئيس الجمهورية وكلفه بها، وهو الناطق الرسمي باسم الدولة. وجاءت تهنئة رئيس الجمهورية ليلة عيد الفطر لتتجاوز المعايدة التقليدية التي اعتاد عليها التونسيون إلى ما اعتبر وعيداً، إذ جاء الرد صريحاً "أن لتونس رئيساً واحداً في الداخل والخارج..."، وهو ما اعتُبر رداً مباشراً على رئيس البرلمان راشد الغنوشي الذي بادر بتهنئة أحد طرفي النزاع الليبي، متجاوزاً الموقف الرسمي الذي أعلنه رئيس الجمهورية مراراً، والذي يؤكد "أن تونس ترفض أي تقسيم للشقيقة ليبيا مهما كان الشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا التقسيم، مع التأكيد على التمسك بالشرعية الدولية، وأن الحل يجب أن يكون سياسياً ليبياً ليبيَاً".

وقد حملت تهنئة قيس سعيد بمناسبة العيد رسائل غير مسبوقة بشأن معضلة تنازع الصلاحيات بين الرؤساء، في غياب المحكمة الدستورية، الهيكل الدستوري الوحيد الذي يفصل في قضايا الصراع حول الصلاحيات. واعتبر مراقبون أن معايدة رئيس الجمهورية كانت غاضبة، وأنه ردّ فيها صراحة بقوة وعنف على رئيس مجلس النواب، مؤكدين أن الأزمة قد تجاوزت صراعاً بين دبلوماسية برلمانية ناعمة يصرّ الغنوشي على ممارستها ومنظومة دبلوماسية رسمية تقليدية تعود دستورياً إلى رئيس الجمهورية. ويذهب مختصون في القانون الدستوري إلى أن الغنوشي منح لنفسه صلاحيات لم يمنحها إياه الدستور. ويرون أن غياب المحكمة الدستورية التي تنظر في ضمان تطبيق الدستور وضمان عدم اعتداء كل سلطة على صلاحيات الأخرى هو السبب الأساس لهذا الصراع الذي تغذّيه كتل نيابية ضعيفة توجهها مصالح حزبية ضيقة.

الصراع إذن أصبح واقعاً، وكان أمل التونسيين أن تنهي منظومة الحكم لسنة 2019 صراع الصلاحيات والهويات والرئاسات والزعامات الذي تفجر سابقاً بين رئيس الجمهورية الراحل الباجي قايد السبسي ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، والذي عرف أشكالاً وتمظهرات عديدة، تجاوزت التصريحات إلى التجاذبات واستغلال كل المناسبات، تلميحاً حيناً وتصريحاً في أغلب الأحيان، ما أثر سلباً على صورة الدولة وأداء الحكومة، وزاد في منسوب خيبات التونسيين في  

"أصبح الحديث عن انتقال ديمقراطي سلس وفعلي محض أحلام" السياسة والسياسيين. وفي سياقات هذا المشهد، المتسم بظهور خلاف معلن بين قرطاج (حيث قصر رئاسة الجمهورية) وباردو (حيث مقر رئاسة مجلس النواب)، هاجمت قيادات في حركة النهضة التي يتزعمها الغنوشي رئيس الجمهورية "الذي لم يفوّت أي فرصة لمهاجمة البرلمان ورئيسه ونوابه بشكل متكرّر أثار الحديث عن رغبته في إطاحة البرلمان، تمهيداً لإقامة مشروعه للحكم المحلي". ويُرجع خبراء في القانون الدستوري أسباب الصراع وتنازع السلطة والصلاحيات إلى طبيعة النظام السياسي، الموصوف بشبه البرلماني، والقانون الانتخابي القائم على التمثيل النسبي، واعتماد أكبر البقايا الذي أنتج برلماناً متشظياً عاطلاً وفاقداً كتلاً قوية قادرة على الحكم أو المعارضة، وهي الحالة التي لا تنتج غير التوتر والصراعات.

يبدو المشهد قابلاً للتفجر، ما سيولد أزمة سياسية كبرى، ستكون تداعياتها حادّة على أداء الحكومة في قادم الأيام المثقلة بطبيعتها بأزمات اقتصادية واجتماعية ولّدتها أزمة كورونا التي عطلت الإنتاج وزادت في نسبة الفقر (20%)، ودفعت جيوشاً من الشباب وغير الشباب إلى البطالة والتهميش.

وبعيداً عن البحث في مفهوم الدبلوماسية البرلمانية وشروطها وشرعيتها، والجدل الذي لم يتوقف في تونس بشأنها، وهل ما يمارسه الغنوشي في هذا المجال، منذ انتخابه رئيساً لمجلس نواب الشعب، حق مكتسب أم تجاوز للصلاحيات والمهام، فإن الحاجة تبدو اليوم ماسَة لتفعيل كل الآليات السياسية والقانونية لنزع فتيل الأزمة بين باردو وقرطاج، وذلك باعتماد الحوار وسيلة وتسريع منظومة التفاهمات بين الكتل البرلمانية في الحكم والمعارضة، تمهيداً لتركيز المحكمة الدستورية، الهيكل الوحيد الذي من شأنه رسم حدود السلطة وإذابة الجليد ونسج مساحات المشترك والمتفق عليه من أجل مصلحة الجميع.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع