عن الغنّوشي وكل هذا الضجيج

بعد هياط ومياط وتجاذبات سياسية، حزبوية حادّة في مجلس نوّاب الشعب التونسي بسبب التنازع على رئاسة البرلمان، وعلى خلفية احتجاج الحزب الدستوري الحر، وحركة الشعب، والتيار الديمقراطي، وحزب تحيا تونس، وكتلة الإصلاح، والكتلة الوطنية، على تسيير راشد الغنّوشي أشغال المجلس النيابي، واعتراضها على مواقفه المعلنة من الأزمة الليبية، بادر الرجل بالتفاعل مع عريضة سحب الثقة الموجّهة ضدّه، وقبل عرض نفسه على اختبار تجديد الثقة من عدمه أمام المجلس. وهي سابقة تُحسب له، ولم يُقدم عليها أيّ رئيس برلمان في تونس قبله. وتجنّدت يوم اقتراع النّواب على سحب الثقة (30 يوليو/ تموز 2020)، وقبْله وسائل إعلام تونسية وعربيّة لنقل الحدث مباشرة، ونشطت حملاتٌ دعائيةٌ ضخمةٌ لتحشيد الرأي العام ضدّ الغنوشي، وللضغط على النوّاب في هذا المضمار. وصُوِّرَت معركة سحب الثقة بأنّها "أمّ المعارك". وبُذل، بحسب مراقبين، كثير من المال الفاسد، والجهد الذّاهب، والوقت الضائع لإزاحة الرجل عن منصب بلغه من طريق الانتخاب. وبرّر المتحاملون حَمْلتهم، في جانب ما، بأنّ الغنوشي محسوب على تيّار الإسلام السياسي، وعلى المحور الداعم للثورات العربية ضدّ الدولة الشمولية، ويتولّى منصباً قياديّاً مهمّاً في دولة جمهورية، وهذا لا يروق علمانيين إقصائيين كثيرين وقوى اليمين المتطرّف في تونس والعالم العربي. وفي جانب آخر، اندفع غيرهم في تلك الحملة، نكاية في حركة النهضة، لأنّها شكّلت قوّة ضغط دفعت حكومة إلياس الفخفاخ إلى الاستقالة.

خمس كتل حزبية  مجتمعة في البرلمان التونسي لم تنجح في تجميع نصاب الأصوات الموجب لسحب الثقة من رئيسه الغنوشي

في ظرف ساعاتٍ معدودة، باح صندوق الاقتراع بأسراره، وأخبر بأنّ لائحة سحب الثقة من الغنوشي سقطت. ذلك أنّ الكتل الحزبية الخمس مجتمعة لم تنجح في تجميع نصاب الأصوات الموجب لسحب الثقة (109 أصوات)، ولم تتجاوز حدود 97 صوتاً من مجموع 217 نائباً. ومثّل ذلك الفشل نكسة واضحة لكتلة الحزب الدستوري الحر الذي تزعّم حملة التشويش على راشد الغنوشي، والدعوة إلى إطاحته من رئاسة البرلمان. وأحرجت النتيجة الأحزاب الليبرالية، والقومية، والثورجية التي أيّدت تلك الدعوة، إذ وجدت نفسها، من حيث تدرك أو لا تدرك، تناصر حزباً يمينياً متطرّفاً، معروفاً بتحامله على الثورة والتجربة الديمقراطية ضدّ شخصيةٍ معروفةٍ بنضالها ضدّ الاستبداد والدولة القامعة. وأثّر ذلك، إلى حدّ ما، بصورة تلك الأحزاب في الوعي الجمعي التونسي. أمّا المنابر الإعلامية ولوبيات المال الفاسد الداعمة للثورة المضادّة، فهدأت ضجّتها نسبيّاً، واعترى المشرفين عليها شعورٌ بالذهول واللاجدوى، بعد أن فشلت آلتها الدعائية والتمويلية في هزيمة صندوق الاقتراع التونسي. في المقابل، ظهر الغنوشي في صورة المنتصر، ونجح في كسب متعاطفين معه في الداخل والخارج. وحافظ على تصدّره وحزبه مؤسّسة البرلمان. وبدت حركة النهضة التي يتزعمها الغنوشي قوّة حزبية وازنة، قادرة على عقد تحالفاتٍ متينة، واسعة داخل مجلس النوّاب، وهو ما يعزّز من حظوظها على طاولة التفاوض على تشكيل الحكومة المقبلة. وتمكّن راشد الغنّوشي، في ظرف قياسي، من تجميع شتات حزبه من حوله، فتراجعت نبرة ناقديه من داخل" النهضة"، وتنادى أنصاره لمواجهة ما يسمّونها بوادر استئصال وإقصاء تتهدّدهم. وخرج الغنوشي للنّاس مخبراً أنّ "من انتصر بعد الاقتراع هي تونس والديمقراطية والشرعية"، معبّراً عن التزامه قواعد النظام الديمقراطي، واعتزازه باحتكام التونسيين إلى الآليات السلمية والسبل القانونية لتسوية خلافاتهم.

المنابر الإعلامية ولوبيات المال الفاسد الداعمة للثورة المضادّة هدأت ضجّتها نسبيّاً، واعترى المشرفين عليها شعورٌ بالذهول واللاجدوى

وأنت تقرأ سيرة الغنّوشي، تتبيّن أنّ الرّجل أرهق خصومه أيّام عارض وأيّام حكم، وأربكهم في حضوره كما في غيابه، وأحرجهم في حلّه وفي ترحاله، وفي منفاه وفي مقامه، وفي صمته وفي كلامه. خبر أحزاباً وحكّاماً وجلاّدين، وتقلّب المقالب كلّها أو يكاد. قارع الاستبداد عقوداً، زمنَي الحبيب بورقيبة وخلَفه زين العابدين بن علي، وتنقّل بين السجون والمنافي. أدمته الدروب وما أرهقته الثنايا. كان يحوك السياسة ويقاوم السلطوية كما يطرّز الحائك الثوب الفريد بتفنّن كبير وصبْر جميل. خبر فنون السياسة كلّها، أو يكاد، وعاشر هواتها ومحترفيها وأعلامها ومهمّشيها. والتقى وحاور، في رحلته الطويلة، عِلْية القوم ومظلومين، ومسحوقين، ومتشدّدين ومعتدلين، ويساريين وليبراليين، وقومجيين وثورجيين، وسلفيين وحداثيين، ومُنتسبين إلى النظام القديم، وتعامل مع مخالفيه بانفتاح نادر لدى الإسلاميين. ولم يعتبرْهم في الغالب أعداءً، بل دافع مراراً عن حقّهم في الاختلاف والمساهمة في بناء مجتمعٍ متنوّعٍ تسوده الديمقراطية. ولم يتعامل مع السياسة باعتبارها قواعد نهائية أو أحكاماً مسبقة أو عقيدة مطلقة، بل مارس السياسة باعتبارها عملاً يوميّاً يقتضي كثيراً من الجهد والمكابدة، والدهاء والحنكة، والتدبّر والتطوير، والتشذيب والتغيير، والتكيّف بحسب مستجدّات الساعة. فالسياسة عنده فنّ الممكن، وهي اجتهادٌ بشري، يروم خدمة الصالح العامّ، وتجميع الناس لا تفريقهم، وهي ليست شأناً دينياً مقدّساً، بل فعل دنيوي بامتياز، يتغيّر بحسب تطوّرات الآن والـ"هنا" وتحوّلات الزمان والمكان وإحداثيات الراهن وتحدّيات المستقبل، وتقتضي الكثير من المرونة والكياسة، والحكمة والرصانة، والقدرة على ضبط النفس، والانفتاح على الآخر.

الغنوشي مطالب، كان داخل دائرة الحكم أو خارجه، بتحقيق أهداف الثورة التي حرّرته وحرّرت عموم التونسيين من إسار الدولة القامعة

على الرغم مما يتّسم به الغنوشي، في نظر مراقبين، من حنكة وبراغماتية ورجاحة عقل، فإنّه يحتاج وأنصاره إلى أن يُراجعوا من منظور نقدي موضوعي المنجز السياسي والاقتصادي لحركة النهضة بعد الثورة، وأن يعتذروا للتونسيين عن أخطاء ارتكبتها الحركة، من قبيل السماح بعودة الحزب الشمولي، الأحادي، الحاكم قبل الثورة، والتصديق على قانون المصالحة الإدارية الذي طبّع مع الفساد، ولم تستفد منه البلاد ولا خزينة الدولة شيئاً، وكذا عدم بذل الجهد الكافي لنشر الثقافة الديمقراطية في العمق الشعبي، وعدم تمرير قانون تحصين الثورة، وقانون السنّ القصوى للترشح لرئاسة الجمهورية، والتخاذل في الدفع نحو تطبيق مخرجات العدالة الانتقالي، وعدم الدفع نحو سنّ قانون لتجريم تبييض الدكتاتورية. ومن المهمّ أن تتّجه مؤسّسات حركة النهضة نحو التقليص من الصلاحيات الواسعة لرئيس الحزب، خصوصاً ما تعلّق باختيار أعضاء المكتب التنفيذي، وما اتّصل بفتح المجال للتداول على قيادة الحركة، وتعزيز نزعة التشبيب والتأنيث والنقد الذاتي داخل هياكلها، والعمل على توسيع هامش المعارضة ومدّ جسور التواصل مع وجوه بارزة، وازنة، غادرت حركة النهضة. ومن المفيد أن يتخفّف الغنوشي من بطانة المدّاحين المحيطين به في حزبه، وكذا من وجوه البيروقراطية في ديوانه النيابي، وأن يسعى إلى الفصل بين انتمائه الحزبي ونشاطه البرلماني، وأن يقف على مسافةٍ واحدة من جميع النوّاب، وأن يبذل الجهد لأجل بلورة توافق واسع بين الكتل النيابية بغاية إحداث المحكمة الدستورية، وتعديل النظام الانتخابي، وإقرار قانون العتبة على نحو يقلّل من فُرص فوضويين وإقصائيين كثيرين في الوصول إلى البرلمان. ومن المهمّ بمكان العمل توافُقياً على صوغ ميثاق أخلاقي يلتزمه النوّاب، ويفرض تدابير زجرية ضدّ كلّ طرف يروّج خطاب الكراهية، ويتعمّد ترذيل البرلمان أو تعطيل أشغاله. ومن الضروري بلورة علاقة تفهّمية، تعاونية، تشاركية بين رئاسة البرلمان ومؤسسة رئاسة الجمهورية والحكومة الجديدة بقيادة هشام المشيشي، والبحث عن نقاط التلاقي والتكامل بدل البحث عن أسباب التنافي، والتنابذ، والتنافس المحموم على الصلاحيات. ذلك أنّ تونس في حاجة أكيدة حاليّاً إلى هيئة حكم حيويّة، متماسكة، متضامنة، قادرة على رفع التحدّيات وترسيخ الديمقراطية وتحقيق الانتقال الاقتصادي والتنمية الشاملة.

ختاماً، بإمكان الغنوشي، وقد بلغ الثمانين من العمر، أن يقدّم خلاصة تجربته الثرّة في غمار السياسة، في كتاب يُفيد الناس، كما فعل الباجي قايد السبسي من قبْله، كتاب يُفيد الإسلاميين وعموم السياسيين. وله سلطة التقدير في مواصلة مشواره البرلماني وترؤس مجلس النواب أو التخلّي عن ذلك لغيره، وفق ما يراه خادماً للمصلحة العامّة. لكنّ الثابت أنّه مطالب، سواء كان داخل دائرة الحكم أو خارجه، بالعمل على تطبيق وعود حزبه الانتخابية، وتحقيق أهداف الثورة التي حرّرته وحرّرت عموم التونسيين من إسار الدولة القامعة.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع