لبنان وغيره .. ودولة الإنسان

في غمرة الفوضى العارمة التي عمّت بيروت بعد انفجار الميناء، طفت على السطح مجدداً أسئلة لم تفارق الأذهان منذ سنوات، ربّما سبقت الحرب الأهليّة اللبنانية، وبدأت منذ تشكّل لبنان بحدوده الحالية. تجلّت إشكاليّة الهويّة اللبنانية في بعض المظاهر التي عبّر عنها الناس في الشوارع، بدءاً من سبّهم وشتمهم زعماء البلد وقادته السياسيين، وصولاً إلى الترحيب بالرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وبنائب الرئيس التركي ووزير خارجيّته، فقد تناقلت بعض وسائل التواصل أخباراً عن توقيع عريضة تطالب الرئيس ماكرون بإعادة نظام الانتداب إلى لبنان، كما هتف لبنانيون بحياة الرئيس التركي أردوغان. وهذه الأمور ليست منبتّة عن جذور المشكلة، بل هي من رحم المعاناة، ومن صميم الضياع والإحساس العميق بعدم الانتماء لهذا البلد، الصغير بحجمه الكبير بمشكلاته.

من نافلة القول إنّ حريّة التعبير في لبنان تبقى أكبر وأوسع من أي بلد عربيّ آخر، على الرغم من سيطرة النظام الأمني وتحكّمه بمفاصل البلد، ومن فساد نظام المحاصصة الطائفي المستشري، ومن استقواء حزب الله على الناس والأحزاب ومؤسسات الدولة بالسلاح. لذلك رأينا وسمعنا عبر وسائل الإعلام والتواصل المختلفة موجات الغضب الشعبي العارمة ضدّ كلّ هذه الرموز، ويبدو أنّ الأمور لن تتوقّف عند هذا الحد، فمجالات التصعيد مفتوحة على آفاقٍ لا أحد يعرف نهايتها أو أشكال تطورها.

حريّة التعبير في لبنان تبقى أكبر وأوسع من أي بلد عربيّ آخر، على الرغم من سيطرة النظام الأمني وتحكّمه بمفاصل البلد

استدعاء الانتداب الفرنسي عند بعض اللبنانيين يختلف، في جوهره، عن إعلان لبنانيين آخرين، جهاراً نهاراً، تبعيّتهم ولاية الفقيه وانتماءهم لنظامه، لا للبنان وأهله، فشتّان ما بين مُطالبٍ بتمثّل قيم الحريّة والمساواة والإخاء، ولو تحت علم الانتداب والوصاية، ومن يجلب المخدّرات والسلاح والسمّ الرعاف لقتل أهل البلد ويدمّرها، ويذهب ليقتل الجيران ويهجّرهم ويسوّي مدنهم بالأرض. مع ذلك، لو فتّشنا بين الأوراق المتناثرة مع حطام الانفجار، لوجدنا استدعاءات مماثلة تعود إلى عصر الإمبراطورية العثمانية، وبعضها الآخر يرجع بنا آلاف السنين حتى يصل إلى الفينيقيين. إنّها إشكاليّة الهويّة والانتماء القديمة - الحديثة والمتجدّدة باستمرار. وربّما يقول قائلٌ إن كان لا بدّ من المفاضلة بين الاحتلالات والانتدابات، على الرغم من أنّه لا مفاضلة بالسوء، فلا شكّ في أنّ الفرنسي يبقى أفضل من الأسدي أو الخامنئي.

استدعاء الانتداب الفرنسي عند بعض اللبنانيين يختلف، في جوهره، عن إعلان لبنانيين آخرين تبعيّتهم ولاية الفقيه وانتماءهم لنظامه، لا للبنان وأهله

ليست مصادفة أننا لا نجد في هذا المشرق العربيّ المتشظّي إدراكاً واضحاً لمفاهيم كثيرة لا غنى عنها، كالأمّة والوطن والدولة والدين والهويّة والانتماء والجماعة! فهذه جميعها ليست مجرّد كلمات، إنّها، بشكل أو بآخر، الحوامل أو الأوعية التي تجمع في بوتقتها الناس، وتصنع منهم شعباً ذا روح ونبض ووجود. ومن سوء حظّنا، أو ربّما الأصحّ من سوء فعلنا، أننا لم نتمكّن من صناعة هذه الحوامل والأوعية بالقدر الكافي من الإتقان، أو حتى إننا لم نبذل من الجهد ما يكفي، لنقف أمام مرآة أنفسنا ونخاطبها بضميرٍ مرتاح بما حاولنا فعله على الأقل، حتى وإن كنّا قد فشلنا. المشكلة أننا بارعون في الهدم والتخريب، وأمّا البناء فهو عصيّ قصيّ علينا كما قال محمود درويش ذات قصيدة.

هذه الدول التي لملمنا مؤسساتها وركّبناها كلماتٍ متقاطعة لا توصل، في مجملها، إلى أيّ معنى سوى إضاعة الوقت وهدر العمر، هي مصيبتنا الكبرى. لقد بنيناها على أكوامٍ من ركام القبائل والإمارات والممالك والإمبراطوريات، ولم نخرج من ركام الإنسان الضائع الممزّق، فنحن هنا وهناك، موجودين ومفقودين، حاضرين وغائبين، ندعو إلى أندلس إن حوصرت حلبُ، ونحلم بالخلافة الراشدة كلّما مزّقتنا الريح وضاعت أغانينا والقصائد!

دولة الإنسان هناك وليست هنا. هناك حيث لا يصنّفك الساسة على أساس لونك وعرقك ودينك، حتى وإن كانوا يبحثون عن الفوز بصوتك

قالها كثيرون بالصوت العالي: لم يعد لنا في هذا البلد مقامٌ، والهجرة مقصدنا وهي السبيل. إلى أين يهاجر اللبنانيّون، ألمْ يملّوا من الغياب، ألمْ يشبع هذا العالم بقارّاته السمراء واللاتينية والعجوز والجديدة من جلودهم ولحمهم وأحلامهم؟ هل بات عليهم (كما علينا نحن السوريين وربّما غيرنا كثيرون من العرب والكرد والأفغان والإيرانيين) أن يبحثوا في أقاصي الغرب عن صخرة يتّكئون عليها ويجعلون منها في النهاية شاهدة لقبر غريب في بلاد بعيدة؟ ولمَ لا، ما دام الإنسان في النهاية ابن هذه الأرض الزرقاء الكبيرة كلها، ابن المحيطات والبحار كما هو ابن الصحاري والفيافي! وإن كان الإنسان ينشد العدل والكرامة والأمان، فلمَ لا يترك هذا الخراب ويبحث عن دولة الإنسان؟ أوليس الكون رحباً بما يكفي لأن نعيش فيه بعيداً عن المهانة والذلّ والخسران؟ 

دولة الإنسان هناك وليست هنا. هناك حيث لا يصنّفك الساسة على أساس لونك وعرقك ودينك، حتى وإن كانوا يبحثون عن الفوز بصوتك، هناك حيث لا يصنّفك رجال المال على أساس طولك ولون عيونك ومنبتك وحسبك ونسبك، حتى وإن كانوا في قرارة أنفسهم يعتبرونك مجرّد رقم أو منتج للأرقام في حساباتهم البنكيّة. هناك حيث لا يصنّفك رجال الدين على أساس إيمانك وكفرك، وإن كانوا يرغبون بأن تكون على شاكلتهم ودينهم ومذهبهم وحدهم. هناك حيث لا تموت من الجوع لأنّ قادتك ينهبون رزقك ورزق الطيور أيضاً، ولا تموت فداءً لأحد ولا تعيش لأجل أحد، بل تعيش لنفسك ولأسرتك ومن تحبّ، لأفكارك ومعتقداتك، وأخيراً يأتي الوطن الذي هو أنت، وتأتي الدولة التي هي دولتك أنت، أنت الإنسان.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع