السجن ساحةَ حربٍ دائمة

السجن ساحةَ حربٍ دائمة

حفلت المكتبة العربية برواياتٍ عديدة حرّرتها أقلام ضحايا سابقين في السجون السورية عن أشكال مرعبة من التعذيب التي تعرّضوا لها، والتي لم يعد لها مثيل في أي دولة متحضرّة أو شبه متحضرّة. وهنا محاولة للتفكير في دور السجون بوصفها من ساحات الحرب الطويلة المدى التي بنى عليها الأسد حكمه، ومكانة التعذيب فيها لتطويع الأفراد وتوحيد الأنصار وتأكيد منطق التفوق والسيطرة. وهي من وحي رواية جديدة تسرد وقائع امتحان الموت الدائم لأحد رواد هذا المعتقل السابقين، محمد برّو، والتي تصدر في شهر سبتمبر/ أيلول الجاري عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

لم يكن المكان الذي دمّره تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2015، بعد نقل "النظام" ساكنيه إلى معاقله الأخرى، سجنا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، أي مكانا لتنفيد حكم جنائي يقضي بحرمانٍ مؤقتٍ لأفراد ارتبكوا جرائم أو جنحا مخالفة للقانون من الحرية. كما لم يكن معتقلا سياسيا شبيها بالمعتقلات التي احتفظ لنا التاريخ الحديث بذكرياتٍ عنها لا يكاد يصدّقها العقل، كمعتقل الغولاغ الذي خلد فيه سولنجنتسون تقاليد الرعب الذي طبع بعض مراحل العهد السوفييتي البائد، أو معتقلات غوانتانامو الأميركية، أو أبو غريب العراقية او تزمامارت المغربية، وأخرى كثيرة لم تخل منها أي من أنظمة الاستبداد الشمولية أو الدموية. 

كانت وظيفة هذه المعتقلات تغييب معارضين أو مقاومين وراء الجدران والحجْر عليهم لإخراجهم كليا من عالم السياسة والمجتمع، سواء اقتضى تحييدهم السياسي والفكري كسر إرادتهم ومعنوياتهم في مرحلةٍ أولى من التعذيب و"إعادة التأهيل" أو بتركهم يهلكون في أقبية الزنزانات المظلمة، بعيدا عن أعين الجمهور الذي كانوا يحلمون بقيادته أو تحريره أو خدمة قضيته. أما معسكرات الاعتقال السورية التي تحدثت عنها روايات السوريين الذين كانوا نزلاءها سنوات طويلة، وأكثرها شهرة معتقل تدمر،  فلا يبدو لي أنها تدخل في أي من هذه التصنيفات. ربما هي أشبه بمعسكرات الاعتقال النازية التي لم تصمّم لحجز المعارضين وتحييدهم، ولكنها أقيمت لإبادة جماعاتٍ قوميةٍ أو دينية تعتقد السلطة الحاكمة أن وجودها يسبّب الوهن في عزيمة الأمة ويشوّش فكرها ويضعف روحها، وأن استئصال هذه الجماعات الغريبة منها، بمقدار ما يحقق التجانس ويطهّر روحها من الشوائب الدخيلة عليها وينقّي فكرها، يضمن لها التفوّق العرقي الذي تستحقه، ويؤكد قوتها وعظمتها. وهذا هو التجانس ذاته الذي سيتذكّره بشار الأسد عندما سئل عن مصير ملايين المهجّرين السوريين بعد سنواتٍ من قصف المدن والقرى بالبراميل المتفجّرة العشوائية، وبالأسلحة الكيميائية، وضرب حصار التجويع على عديد منها، قائلا: إن سورية أصبحت برحيلهم أكثر تجانسا، وهو يعني أيضا أنه أصبح أكثر تصميما على متابعة حرب الإبادة.

مع ذلك، لا ينبغي لهذا التشابه أن يغيّب عن نظرنا الفوارق الأساسية الأخرى التي تجعل من معسكر الاعتقال الأسدي نموذجا فريدا من نوعه، حتى لو تطابقت كثير من صور الجثامين المتكدّسة التي جفّت عروقها من الجوع  والمرض، وغاضت الحياة في عيونها من انتظار العدم، مع ما تركته لنا معسكرات الاعتقال النازية، والذي أصبح بمثابة بطاقة تعريف بها، فبينما تكاد الوظيفة الرئيسية لهذه الأخيرة تقتصر على التنظيم "العقلاني"، بل المكيانيكي، لهذه الإبادة الجسدية، بعيدا عن أي مشاعر أو عواطف أو اعتبارات أخرى سوى القضاء على أكبر عدد من "غير المتجانسين" بأسهل وسيلة، وفي أقصر ما يمكن من الوقت، يتركّز العمل في المعتقلات الأسدية على الإبادة النفسية أو الروحية لغير المتجانسين فردا فردا، بإطلاق كل ما تختزنه النفس الحيوانية لدى الجلادين من غرائز الفتك، وتفجير كل ما يزعزع النفس البشرية من مشاعر الخوف والألم والبؤس والمهانة، ويفاقم من هشاشتها وبؤسها لدى الضحايا والمعذّبين. ليس الموت هو ما يبحث عنه الجلاد هنا، وإنما استحالة الحياة، أو جعل الحياة مستحيلة من دون أن يكون الموت ممكنا. إنه العذاب.

لا حاجة هنا لغرف غازٍ تقضي على المدانين بالجملة، ولا لمحارق تخلي أماكنهم لوجبةٍ أخرى. الحكم بالموت، بالبراميل المتفجرة أو بالغاز، من نصيب الناس العاديين الذين ينبغي التخلص منهم. أما مع النشطاء فالأمر مختلف، وعليهم أن يدفعوا ثمن الموت/ الخلاص نفسه. يتصرّف الجلاد هنا وكأن الضحية عدوه الشخصي، ويصرّ على أن يظهر في وجه خصمه كوحش مفترس، لا تربطه أي صلة بالإنسانية، ويدخل بكل كيانه في ما يشبه الطقس الديني لإخراج روح ضحاياه من أجسادهم بكل ما يتاح له من أدوات وآلات وأحذية وسكاكين وكابلات حديدية، وما يملكه أو يريد أن يظهره من مشاعر الكراهية والحقد والتشفّي. يبدأ التعذيب منذ أن تضع الضحية قدمها على أرض المعتقل، ويحشد الضحايا بالعشرات في زنازين جماعية ضيقة، ولسنوات لا يعرف نهايتها لا السجين ولا الجلاد، هي بالضبط السنوات التي على هذا الأخير أن يستغلها ليثبت تفوقه في تحويل الكائنات البشرية التي أوكلت إليه، حرفيا، مهمة "معالجتها" إلى خرق ممزّقة تمتزج فيها عظامها مع لحمها ودماغها مع دمها، حيوات محطمة أملها الوحيد معلق في اقتراب أجلها.

كما تظهر جميع هذه الروايات/ الشهادات، لا يخضع برنامج التعذيب نفسه لقاعدة واحدة. الأمر متروكٌ لكل واحدٍ من الجلادين أن يتفنن ويبدع في وسائل العنف التي يعتقد أن بإمكانها إحداث أثر أكبر في التدمير النفسي للضحية. هكذا لا يتوقف العذاب أبدا، فهو حسابٌ مفتوحٌ لا يتوقف، ليلا ونهارا، على الدخول والخروج، بمناسبة ومن دون مناسبة، وقت الراحة المفترض ووقت "العمل"، وحتى وقت الأكل وقضاء الحاجة. لا يترك الجلاد للضحية فرصةً لالتقاط الأنفاس، ولا وسيلة لا يستخدمها لإبراز قسوته ووحشيته واستعداده للذهاب إلى أبعد ما يمكن في انتزاع صرخات الجسد المكلوم وأنينه وسماع أصوات كسر العظام المتهالكة.

(2)

هناك شيءٌ لا إنساني، لا معقول أو غير قابل للعقلنة، في هذه الفقرة المظلمة من تاريخ السوريين: في وجود هذه المعتقلات، وفي تنظيم هذا العنف المنفلت، والذي لا يتوقف إزاء ضحايا مشلولي الإرادة وفاقدي أي قوة أو قدرة على المقاومة، وفي حماس الجلادين الذين جعلوا من العنف رياضتهم الروحية اليومية بمقدار ما أرادوه سمّا زعافا لضحاياهم. ولست مقتنعا بأن السادية قادرة أو كافية لتفسير هذا الهوس المجنون، الذي يتجدّد كل يوم، بالتمثيل بالأجساد الحية والسخرية من منظر الدم النازف من أعضاء يتم تقطيعها وهرسها بجميع الأدوات والوسائل الحديدية، وحرقها في الأماكن الأكثر إيلاما كما لو كان الهدف تفجير ما فيها من نوابض الحياة والإنسانية، والتلذّذ بسماع صرخاتها المخنوقة.

كما لا أعتقد بأن لتفجّر هذا العنف علاقة مباشرة بأي إرث ديني أو قومي، ولا بأي مذهبٍ فكري أو سياسي. هو بالأحرى تعبيرٌ عن انفلات الغرائز البدائية التي صرف النوع البشري عشرات آلاف السنين وهو يصارع لتدجينها، ومن هذا الصراع ولدت المدنية والحضارة القديمة والراهنة.

ليس هناك نظرية يمكن أن تفسّر مثل هذه الممارسة لعنفٍ فائضٍ بكل معنى الكلمة، عنفٍ منفلتٍ وعبثيٍّ حاول ان يحيط به ويستوعب معناه ناجون كثر في شهادات سابقة، وأبدع في وصفه محمد برّو في روايته. ولعل علينا أن نقرّ بأنه ليس كل ما يشهده التاريخ عقلانيا أو يمكن أن يستوعبه العقل. كذلك كانت النازية التي اعتقد منظرّوها، ولم يكونوا من الأغبياء، أبدا، أن التفوق مصدر الشرعية والحق، وأن الطريق إليه يمرّ بالقوة، وأن وسيلة القوة ولغتها هما العنف: العنف العاري، من دون حدود ولا ضفاف ولا مبرّرات ولا أهداف أو غايات سياسية أو أخلاقية تحكمه وتتحكم به، إلا ما يحققه، وما يمكن أن ينتجه من تفوق أو شعور بالتفوق والسيطرة. في هذه الحالة، يتحوّل العنف إلى لغة، وتصبح ممارسته، من دون حدود ولا ضوابط ولا معايير، الدليل القاطع على القدرة والعظمة، وربما المشاركة في بعض صفات الألوهية المشرقية.

مع ذلك، لا يوجد شك في أن لانفلات العنف وتقديس أفعاله وفعاليته في حالتنا السورية علاقة مباشرة بنمط استثنائي من الحكم والسيطرة، نشأ هو أيضا في غفلةٍ من الزمن، وفي ظروفٍ استثنائية، وانبنت عليه علاقة الحاكمين، بصرف النظر عن منابتهم، بالمحكومين، أي بالشعب، وتكوّنت فيها نظرتهم الدونية إليه، أي احتقارهم له، وإنكارهم أهليته، واستسهالهم امتهان كرامته وقهره والركوب عليه.

لذلك، لن نرى اختلافا أبدا بين سلوك جلادي المعتقلات إزاء ضحاياهم من الأبرياء، وسلوك رجال السلطة وأجهزتها إزاء الدولة والمجتمع. وقد بنى الأسد الأب سمعة أسطورية، ليس لدى بعض السوريين فحسب، وإنما لدى قطاعات واسعة من الرأي العام والدبلوماسية الدولية، وفي جميع الأنحاء، لما أظهره من جرأة على خرق جميع المحرّمات واستخدام العنف من دون قيود أو خشية من رد أو انتقام، حتى أصبح الإرهاب على يديه، المباشر أو بالوكالة، الوسيلة الرئيسية للحكم والسيطرة، وكان أول من حوله إلى سلاح دولة، حصد بسببه احتراما وتقديرا، وربما تعاطفا وتقديسا لم يسبق لأحد قبله ممن حاول استخدامه أن حظي به. وهذا ما تعلمه بشار الأسد من تجربة والده، وأراد أن يعيد إنتاجه ويفرط في استخدامه بشكل أكبر، خارج أي منطق سياسي أو قانوني أو أخلاقي، منتظرا أن يذهل بذلك العالم ويعمي بصر الجميع، حتى لا يستطيع أحد أن يلتقط أنفاسه أو يفكر في أي رد. واعتقد أن هذا العنف (المقدّس) الذي لا يعترف بحدود ولا روادع من أي نوع، هو الطريق الصحيح للوصول إلى التفوق واستعادة السيطرة وفرض الأمر الواقع وتركيع الجميع وإذلالهم. لم يقف بشار في تفجير عنفه عند حدّ قمع المظاهرات بالرصاص واعتقال نشطائها وقتلهم في المعتقلات، ولكنه أراد له أن يكون زلزالا يدمر الجميع، وكل من يقف في طريقه، من المجتمع والشعب والحلفاء والأصدقاء العرب والأجانب. ولم يترك سلاحا من اسلحة الدمار الشامل لم يستخدمه لامتحان القدرة الفتاكة لهذا العنف الفائض على أي حدود، والذي اعتقد أنه به وحده يستطيع أن يوقف التاريخ ذاته، وكل من ينكر عليه حقه وتصميمه على جعل الموت الحد الطبيعي والوحيد لطموحاته... يتبع

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع