باريس تعيد الحسابات من جديد



من المؤكد أننا كجزائريين قد هالنا ما حدث في العاصمة الفرنسية، من سقوط للأبرياء وترويع للآمنين، واستنكرناه ونندد به، ونستغل اللحظة لنذكّر الشعوب الأوروبية والغربية عموما، أن إخوة لنا مسالمين في فلسطين وسوريا ومصر والعراق وليبيا وبورما ومالي يتعرضون للإبادة الوحشية ويرضخون تحت نير الظلم، نتاج السياسة الدولية القائمة على القوة وجبروت السلاح، والتي تصنعها حكوماتهم المتصهينة الوالغة في دماء المستضعفين على امتداد العالمين العربي والإسلامي...
إننا كجزائريين ندرك جيدا مدى تورط القوى الكبرى في تحريك بعض النزاعات والإبقاء عليها والدفع نحوها، وندرك كذلك مدى سطحية وسذاجة بعض الاغرار ممن ينخرط بجهل في خطط المتلاعبين بالسلم والأمن الدوليين، والقيام بردات الفعل المجنونة الضائعة، والتي لا يستفيد منها إلا مهندسو النظام الدولي...
فمنذ 11 سبتمبر المشؤوم، والحكومات الصهيونية تعبئ شعوبها حول العدو الجديد، وتفتح الفضاءات الجيوسياسية باسمه، وتصنع المشهد تلو المشهد للهيمنة على المنطقة ورفسها، ومن أجل الاستمرار في استغلال مخزونها ومواردها ودك محاولات النهوض...
إن الهجوم الباريسي البشع، والمستنكر سيفتح الطريق واسعا أمام اليمين المتطرف، وتهديد ( شوية ) المصالح الجزائرية التي تمن بها علينا حكومة هولاند، وسيدفع صانع القرار الفرنسي إلى مراجعة حساباته الاستراتيجية في منطقة الساحل، وقد يمر إلى الهجوم بعد أن أقنعته الجزائر بأن الحل عندها، وأن بإمكانها تصدير السلام لها، وستفرح الإدارة الأمريكية بعجز الفرنسيين على تمام تأمين الداخل الفرنسي والجهة الغربية من المتوسط الموكلة إليها بعد عملية سيرفال الاستعراضية، وبعد إعادة هيكلة مخابرات بعض الدول وفقا لنظرتها بوصفها دركي الجهة...
ستستفيد ماري لوبان في اتجاه تعبئة الفرنسيين ضد كل ما هو أجنبي سواء المهاجرين المغاربة أو المهاجرين الجدد، وبوبكر كايتا في قمع مطالب الشمال في مالي باسم الإرهاب وداعش، والحسن السادس بفتح المجال أمام المتربصين لزعزعة الأمن والاستقرار في الجنوب الجزائري...
لقد نددت الجزائر رسميا وعلى لسان رئيس الجمهورية بالحادثة، وطالبت بضرورة التعاون لمكافحة هذه الآفة العابرة للحدود في إطار جهود الأمم المتحدة وبعيدا عن ردات الفعل التي قد تستغل الأحداث لتنفيذ أجندات تهدد روح التضامن والتعاون الدولي...
لقد اختار "الإرهاب الجبان" التوقيت بدقة، وطعن بذلك في كل شعارات القوة الأمنية لأوروبا، وأثبت للعالم ألا أحد بمنأى عن الغدر الإرهابي...
وعلى المجتمع الدولي ومنظماته، المتهاون في حل الأزمات أن يعيد النظر في سياساته واستراتيجياته تجاه المظالم الدولية ابتداء من فلسطين ومأساة الشعب السوري والحيف الذي يلقاه الشعب المصري على يد السفاح السيسي والعربدة الأمريكو- شيعية في العراق، وانتهاء بالإبادة الجماعية في بورما...
رغم أن الإرهاب لا دين له، وهو آفة قاتلة مدمرة إلا أن من يساهم في تفاقمها وانتشارها هو الفشل الذريع للسياسة الدولية، وغطرسة القوى العظمى في استباحة سيادة الدول ومقدراتها، ولتجاوز هذا الوضع يجب مراجعة المواقف والحسابات، لأن الظلم ينتج الإرهاب.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha