مواجهة شريفة وعدوٌ قذر




استيقظا باكراً مع آذان الفجر، وارتقبا بالدعاء والصلوات طلوع الشمس، وطلب أحدهما -وهو بهاء- من أمه أن تجهز له أفضل الثياب، فهو كما قال لها ذاهب لزفاف طالما اشتاق لموعده، تجهزا جيدا وكل واحد منهما خرج من منزله بصمت دون ضجيج، تغشاهم طمأنينة غير عادية، والتقيا في الموعد والمكان حسب الاتفاق المسبق، لم يودعا أحداً، فهما يؤمنان باللقاء من جديد وإن طال، وبوعد الشفع والشفاعة الذي سيجمعهم بأحبتهم وبما لذ وطاب هناك حيث الذي لا تدركه العقول بفكرها ولا الأبصار، ودّع بعضهما البعض وداع افتراق لا فراق، بعناق حار والعينان تحدق بالعينين كأنها النظرات الأخيرة، إنني سمعت كثيراً عبارة «ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» أدركت بسهولة «اجتمعا عليه»، وبعد هذه الحادثة صارت «وتفرقا عليه» في أجلى وأجمل صورها.
لم تكن هذه القصة يتيمة في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني، إلا أنها من أحدث القصص، فقد تكررت ذات المشاهد في جل العمليات الفدائية التي يقوم بها الفلسطينيون، غير أن ضابطاً من قوات الاحتلال أخبر بلال غانم بأنهم سيخفون تفاصيل العملية حتى لا يعرف العالم إنسانية وأخلاق الفدائي الفلسطيني، وفي جل العمليات الفدائية يؤثر الفدائيون الفلسطينيون القتال بشرف وجهاً إلى وجه، ويتجنبون الأطفال ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً كما في عملية «إيتمار» وغيرها، غير أنهم لا يتحملون عواقب وجود هؤلاء في المعركة وفي قلب الخطر، ويتحمل ذلك المستوطنون الصهاينة الذين يصطحبون معهم أطفالهم وهم يسرقون أرض فلسطين ويحتلونها بعد طرد أهلها منها أو قتلهم أو اعتقالهم وتعذيبهم.

في المقابل نرى الصهاينة المعتدين يعتمدون أسلوباً قذراً في المواجهة يقوم على الغدر وقتل الأطفال والضعفاء العزل واستهدافهم بأشكال مختلفة، ومن ذلك ما حدث مع الطفل الفلسطيني محمد أبوخضير الذي أحرقوه حياً بعد أن أرغموه على شرب البنزين، وكما فعلوا مع عائلة دوابشة، وسلسلة طويلة من المجازر التي عاشتها فلسطين منذ عقود، وآلاف الأطفال الذين قتلوا وأصيبوا في غزة وهم يلعبون عند الشاطئ كأطفال عائلة بكر، أو وهم في أحضان أمهاتهم ليسوا عنا ببعيد.

الاحتلال رغم فرق الإمكانات المهول إلا أنه لم ينل شرف المواجهة ولو لمرة، فهو يقاتل حجراً برشاش وسكيناً بمدفع وصاروخاً صغيراً بعشرات الطائرات وقذيفة هاون بالمدافع والراجمات وشعباً أعزل بكافة أنواع الحصار والعذاب، فهو يعتمد بالإضافة إلى ذلك القتل العشوائي والغدر أسلوباً في عمل قواته، بل هو نهج متعمد لا عشوائي، وقد ابتداه منذ أن دخل الأرض بالمجازر الغاشمة والذبح ليطرد الشعب من الأرض ويحتلها، ولم ينته عند العدوان الأخير على غزة، حين اختفت من السجلات المدنية عائلات بأكملها بسبب قصف الطائرات الصهيونية، أما جنوده فهم أقل من أن ينالوا شرف المواجهة، فعند النزال الحقيقي وجهاً لوجه وحين تواجه البندقية البندقية يتصلبون من شدة الرعب كما شاهدناهم في «ناحل عوز» ساعة اقتحام نخبة القسام، أو يهربون مذعورين كما شاهدناهم في محطة الباصات ببئر السبع حين هاجم الفدائي مهند العقبي العشرات منهم وحده.

حكايات كثيرة أكثر من أن نحصيها أو نرويها ما دامت الأرض تروى كل يوم بأنقى وأطهر وأصفى الدماء من أبطالها الخالدين.

ويبقى في التفاصيل شعب حر يقاوم -رغم ضعف الإمكانات- ببسالة وشرف عدواً من أقذر الأعداء وأكثرهم وحشية، ولا أدري إن كان هكذا عدواً يستحق هكذا مواجهة أم لا، لكنها أخلاق الفرسان..

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha