شباب ضد الديمقراطية



أعلن 69% من الشباب التونسي أنهم لن يشاركوا في الانتخابات البلدية المقبلة. هذا ما كشف عنه استطلاع رأي أنجزته جمعية "أنا يقظ". هذا مؤشر صادم عن الفجوة القائمة بين فئة الشباب والنخبة السياسية.
انعكست هذه الفجوة، مباشرة، على حجم مشاركة هذه الفئة في الشأن العام، بما في ذلك المؤسسات الأكثر قرباً من حياة المواطنين، مثل البلديات المهتمة أساسا بمشاغل المواطنين اليومية، وبمحيطهم البيئي والاجتماعي والثقافي، خصوصاً أن بلديات 2017 ستكون مختلفة عن بلديات اليوم والأمس، لأنها تتمتع بصلاحيات أكبر وأوسع، وستكون بالضرورة أكثر ديمقراطيةً ومصداقيةً وقدرةً على الاستجابة لمطالب المواطنين وحاجياتهم، وهم الذين سيكونون الجهة المشرفة والمراقبة للمجالس البلدية. فالتونسيون مقدمون على الخوض في الديمقراطية التشاركية، من خلال منظومة الميزانية التشاركية القائمة على تحديد الاحتياجات من المواطنين بعد اطلاعهم على ميزانية البلدية التي ينتمون إليها ترابياً. ومن مشاركتهم المباشرة إلى جانب منظمات المجتمع المدني، في مناقشة الميزانية، يشرفون على تنفيذ المشاريع ومتابعتها. وهي تجربة تم الشروع في إنجازها من بعض البلديات تطوعا ، لكنها بعد الانتخابات المقبلة، سيتم تعميمها، وهو ما سيؤدي إلى إحداث ثورة في العمل البلدي في تونس.
على صعيد موازٍ، كشفت دراسة أن استقطاب تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المشابهة له الشباب التونسي يحصل في ثلاث دوائر، أولاً فضاء الإنترنت الذي تحول إلى أخطر أدوات الاتصال التي من شأنها أن تحدث تحولاً جذرياً في شخصية الشاب، أو الشابة، انطلاقا من غرفة مغلقة، قبل أن يصبح في حاجة لوسيط . ثم تأتي المساجد التي على الرغم من القول إن وزارة الشؤون الدينية قد سيطرت على 80% منها، إلا أن عمليات الاستقطاب داخلها لا تزال نشيطة. وأخيراً دور المقاهي التي كانت أماكن للترفيه وقتل الوقت، خصوصاً بالنسبة للطلاب والعاطلين عن العمل، فإذا بها تنقلب إلى فضاء حيوي لإنتاج عناصر مهيأة لتنفيذ عمليات انتحارية.
لم تتحول الأحزاب التونسية الى حاضنات حقيقية، تستقطب الشباب، من أجل مساعدته على تحقيق آماله، وتحويله إلى قوة بناء، تعمل على قلب الأوضاع جذرياً في بلدٍ يُفترض فيه أنه يمر بمرحلة تحول ثوري. ويعتقد قادة هذه الأحزاب أنه توجد هجمة غير مبررة ضد العمل الحزبي، من شأنها أن تضرب الديمقراطية في الصميم، وهم لا يبالغون في ذلك، لكنهم يتجاهلون الأسباب التي أدت إلى هذا المأزق.
هناك حلقة مفقودة، لا بد من البحث عنها، فالشباب بطبعه يحب الحياة والحرية، فكيف نفسر هذه الرغبة القوية والجامحة لدى بعضهم في أن يلتحقوا بتنظيماتٍ حديديةٍ لا تعترف بالحرية الفردية، وتبشر زبائنها بالموت في أسرع وقت ممكن. المطلوب منهم، حسب هذه الوصفة، أن يكونوا على استعداد تام لقتل الآخرين المطعون في عقيدتهم، والمتهمين بالعداء للإسلام وشريعته، حسب ما هو وارد في أدبياتهم.
إذا استمرت الحالة على ما هي عليه، فالحلم الديمقراطي مهدد بانتكاسة تاريخية، خصوصاً إذا صدقت مؤسسة "أصداء بورسون مارستيلر" في استطلاعها الذي جاء فيه أن نسبة تراجع إيمان الشباب العربي بالديمقراطية بلغت 77% عما كانت عليه في عام 2011؟.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha