عبر من وفاة زعيم



تستمر حياة ونضال الزعماء في حياتهم وبعد مماتهم، ويحققون لشعوبهم ما كانوا يطالبون به ويناضلون من أجله ويثبتون قناعاتهم أيضا ويكشفون زيف خصومهم بشكل تلقائي، هكذا كان الحال مع القائد التاريخي آيت أحمد رحمه الله تعالى، ورغم أنني ممن يقولون إن الحديث عن مآثر الموتى لا يعني أبدا موافقتهم في كل مواقفهم، ولكن من حق هؤلاء وخاصة القادة التاريخيين الذين لم ينالوا حقهم من التذكر، بل إن كل المقررات المدرسية والموروث التاريخي الرسمي حرص وعن سابق إصرار محو فترة من تاريخهم ومحو أسمائهم من كل الأمجاد، ومباشرة بعد إعلان الوفاة يعاد ذكرهم من جديد وتجدد لهم الحملات وتحول لهم الأنظار في محاولة لاستدراك بعض الشيء وليس كل شيء ولكن هيهات هيهات.
نعم الزعماء يكشفون أن تاريخنا للأسف الشديد لم يذكر بحقيقته وأن الصراع السياسي بعد الثورة وفي فترات الثورة والسلطة المتحكمة هي التي كانت تصيغ التاريخ بالشكل الذي تراه مناسبا، وأن تصفية الحسابات أخذ من أشكاله السرد والقراءة التاريخية للأحداث، وهو أمر مؤسف ولا يبدو أننا سنتخلص منه قريبا، وأشد ما نخافه أن تاريخنا سنقرأه يوما ما من مستعمر الأمس كما نفعل اليوم في قراءة ما يحدث في بلادنا.
الزعيم آيت أحمد كشف بموته زيف المواقف السياسية التي اتخذتها السلطات من قبل، بل إنني لا يمكن أن أضع نفسي مكان أمين عام حزب يحسب الآن من المعارضة وكان في فترة ما وزير للخارجية، وقال في سانتيجديو ومن شارك فيها ما قال، فكيف يمكن له ولحزبه أن ينال شيئا من المصداقية الآن وغيره كثيرون ممن تهجموا بالأمس القريب على آيت أحمد من إعلاميين وسياسيين وغيرهم.
هذه المناسبات الأليمة تفرض على الجميع الاعتبار وعدم تكرار الخطأ والحرص دوما على التفريق بين الموقف السياسي القابل للخطأ والصواب وبين المسار التاريخي للأشخاص وسيرهم، وألا نغبط الناس وخاصة الزعماء حقهم مهما اختلفنا معهم، آت أحمد وقبله مهري وبن بلة وعلي كافي وشعباني وكريم بلقاسم وغيرهم والأسماء طويلة من الشخصيات التاريخية التي هضم حقهم بسبب الصراع عن السلطة وليس شيئا آخر.
حان الوقت للفصل بين التاريخ والسلطة وإعطاء التاريخ للأكاديميين حتى وإن لم ينشر في هذه المرحلة، ولكن هذا حق للإنسانية والأجيال القادمة بإيجابياته وأخطائه، فما كان ينظر له خطأ في يوم من الأيام بمجرد تغيير زاوية النظر نغير حكمنا على الحدث ومن صنعوه، وهي أحد مكونات القراءة التاريخية التي يطالب بها الأكاديميون اليوم قبل الغد.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha