وقفوهم إنهم مسؤولون


كثيرا ما يتلازم مفهوم الحرية، بوصفها حقا أساسيا للمواطن (فردا كان أو جماعة) غير قابل للاختراق، والمسؤولية، بوصفها واجبا اجتماعيا يحمي حقوق باقي المجتمع من العودة إلى الحالة الطبيعية الفوضوية. ولا شك أن الجميع يدرك أن الكلام من العمل، وأيما دعوة يطلقها الإنسان إلا وسيقف عندها يوما ما ويحاسب عليها ويبتلى بها أو يجزاها، سواء أكان ذلك في الحياة الدنيا أمام ضميره أو على صفحات التاريخ أو أمام المجتمع إن عزا وفخرا أو ذلا وخذلانا، أو أمام سلطان القانون والعدالة، أو قد تتبعه في أخراه فتسعده أو تشقيه،،، وفي كثير من الأحيان يطلق الإنسان كلامه على عواهنه - وأقصد بالإنسان هنا قادة الرأي من صحفيين وإعلاميين وتصريحات وحوارات يدلي بها المسؤولون على اختلاف انتماءاتهم ومراتبهم ومؤسساتهم - لا يقدر إثر ذلك في ثنايا المجتمع، ولا يكترث أهلك الناس بعد حديثه أو نجوا، طالما أنه لبى هو رغبته وشهوته في الكلام، مالم يكن واجبا ومسؤولية بالطبع،،،
يدرك الجميع أننا نعيش مرحلة جد حساسة، ينقل بموجبها النظام السياسي بشيء من التأزم، من وضع إلى وضع، وقد يستدعي ذلك شيئا من التاريخ وبعضا من التقييم في أداء الرجال والمؤسسات والسياسات، ولا يحق لأي كان وباسم حرية التعبير التهجم على رصيد الأمة ومكتسباتها وخصوصية مؤسساتها، فالجيل الصاعد يراقب وهو ينظر إلى كل من تكلم، مالم يكن كلاما مسؤولا وضرورة تمليها مقتضيات الإصلاح، ولا يحق بأي حال من الأحوال لكل متصدر أن يورث سما وتشويها قد يستمر في تلغيم حياة ومستقبل الأبناء،،، الكل يعرف ثقل المرحلة السابقة، وما تخفيه من مآسي وبشاعة، ولكل وجهة نظره التي بنى عليها مواقفه ومارس وفقها برامجه، ولا أقصد هنا جهة بعينها، بل كل قادة المجتمع من عسكريين وسياسيين وإعلاميين وأكاديميين وأئمة دون استثناء، وليعلم الجميع أن الحديث فيها مالم يكن تسجيلا للتاريخ أو تحقيقا قضائيا، فالغرض منه إطالة الأزمة وإحياء لها، وقد كنا نظن أن قانون المصالحة طوى الصفحة وردمها، وأعلن إلا غالب ولا مغلوب، واعتقدنا أن المجتمع قد عفى عن الجميع وتم دسترة ذلك،،، فعلى المتخاصمين، وتوابعهم وأدواتهم في الصراع أن يكفوا أيديهم فالوضع لا يحتمل،،، وليعلم محترفو الكلمة والسياسة معا وصانعوها، أن الاستمرار في عرض حصص تلفيزيونية وإذاعية، وحوارات على صفحات الجرائد، وتصريحات وبيانات من هنا وهناك ستعمل على إعادة عقارب الساعة إلى زمن الفتنة وإدانة مراحل برجالها ومؤسساتها وسياساتها، وإن ذلك ليس من حرية التعبير في شيء، بل سيفتح الباب لكل مجروح ويحيي مواجع وآلام قد عالجتها الأيام والسنون، وإن الحديث عن ذلك يبقى حصرا على أهل الاختصاص في الجامعات وأهل التاريخ، وليس لأحد أن يروي للجيل نصف حقيقة، وربع حكاية أو يزيد ذراعا فيهما يؤجج بها حريق البلد،،،
لن يسامحكم التاريخ إن استثمرتم في جراح الجزائر، أو استغفلتم أبنائها من أجل تمرير مشاريع أو ألهيتموه عن اهتمام بإثارة هكذا مشاهد، وستأرقكم ضمائركم مالم تكونوا صادقين، وسيشهد عليكم فعلكم غدا أمام المجتمع وأمام التاريخ،،، أن الإعلام والصحافة رمز لقوة المجتمع، وأدوات لممارسة الشعب سلطته على باقي السلط، وسياسة تدعم نهضة البلد وترقية المشاركة فيه، ومحاسبة للهيئات التنفيذية على أدائها، لا سوط يستغله الأقوياء وأرباب الأموال ليجلدوا به ذات المجتمع، ويمارس من خلاله كل معتد شذوذه على قادة البلد ومسؤوليها ومؤسساتها باسم حق التعبير وباسم الدستور، فيطعن ويشوه ويحرف أو يبتز ويناور ولا حسيب ولا رقيب،،،

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha