صعوبة الكلام

صعوبة الكلام


ليس من السهل أن نحدد سببا واحدا تنسب إلية التهتهة، فهناك مجموع عوامل، بعضها جسمي، وبعضها يرجع إلى المعاملة، وبعضها يرجع إلى الوراثة، وبعضها يرجع إلى التقليد.. تتضافر كلها في أحداث الحالة أو في المساعدة على بقائها بعد حدوثها. ويغلب على الظن أن العامل الأساسي هو القلق أو الخوف المكبوت، وهذا القلق أو الخوف ينشأ إما بالتأثر فنجد الوالدين أحدهما أو كليهما على درجة من القلق. وقد ينشأ مما يحدث للطفل من حوادث التخويف أو المعاملة غير الحكيمة، ويترتب على حالة القلق النفسي إما خجل وانزواء وعزلة وقلة جراءة، وما إلى ذلك من الصفات السلبية التي شاهدناها في الحالة الأولى... وإما أن يترتب عليه تعويض نفسي فتنشأ الجرأة والمرح والنقد، وما إلى ذلك من الصفات والإيجابيات التي شاهدناها في الحالة الثانية. ويتلخص علاج مثل هذه الحالات في إعطاء الطفل ثقة في نفسه إزاء الكلام خاصة وإزاء مجالات حياته بنوع علمي. أما أسلوب إعطاء الثقة في النفس فإنه أسلوب طويل يحتاج إلى زمن وإلى صبر من كل من المعالج وصاحب الحالة.

ويصح أن نورد بإختصار حالتين أخريين لنوضح أثر عامل القلق أو الخوف أو أثر العوامل الأخرى إلى جانب هذا العامل :

أما الحالة الأولى فهي الولد في سن الثانية عشر عنده تعصر في النطق وهو في الثانية الإبتدائية، ومستواه العقلي يوازي مستوى ذكاء ولد متوسط عمره 8.5 سنه – أي أنه متأخر في ذكائه عما ينتظر لسنه – والوالد خامل شاحب اللون قليل الابتسام، وعنده كبرياء مصطنع، يحاول أن يغطي به ما لديه من نقص. ثم هو مع ذلك يميل أحيانا للانزواء وهو سريع الغضب، ولكنه يكظم غضبه، فإنه ضرب أحد معلميه – وهذا كثيرا ما يحدث – فإنه لا يبكي مطلقا، والولد يخاف أباه بدرجه بالغة. أما الأب فإنه رجل عصبي يتعثر في النطق ويعتقد أن التعثر في النطق أمر تافه لا يجوز إعارته أي اهتمام، لأنه هو أيضا يتعثر في النطق ومع ذلك صار – يحسب رأيه في نفسه- رجلا عظيما ويلاحظ أن كل فرد في الأسرة عنده نوع معين من الشذوذ: فالأب يتعثر في النطق، والأم عصبية جدا وبنتهما غير متزنة، والولد الكبير عصبي ويتعثر في النطق، وقد تأخر في ضبط عضلات الجهاز البولي، والولد الذي يليه شديد الخنف، وعيناه ليستا بإتساع واحد. والولد الذي نحن بصدد حالته، مع شدة خوفه من أبيه معجب به إعجابا شديدا.

والعلاقة بين الأم والأب سيئة جدا، ولكن الأب نجح في إشباع أنانيته باستعمال القوة، ورغم سعته يُضيّق على أسرة تضييقا شديدا ويمتع نفسه خارج المنزل. كل هذا قد يدل على أن احتمال الوراثة عن كل من الأب والأم، وكذلك تقليد الأب ربما إشتراكا في تكوين التهتهة، وأما حالة التوتر قد تكون ناتجة من حالة التناقض النفسي الظاهرة في إعجاب الولد بأبيه وخوفه الشديد منه فى نفس الوقت، ومن سوء العلاقات والجو المنزلي.

وبذلك قد تكون التهتهة في هذه الحالة نوعا من العصبية الموروثة التي أخذت اتجاها معينا وتبلورت في شكل معين بفضل البيئة بما فيها من تقليد وتخويف وإقلاق. 

وهناك حالة أخرى لطالب عمرة ثمانية عشر عاما قد بدأ يتعثر في النطق بعد حادثه وقعت له في سن الخامسة، وهي أنه دخل دورة المياه وأقفل عليه الباب ولم يتمكن من فتحه وعجز أيضا من في الخارج عن ذلك فلم يتمكنوا من فتحه، وذعر الولد ذعرا شديدا، وهو الأصغر في الأسرة وليس له سوى أخ واحد والعلاقة بين والديه بها شيء غير قليل من الخلاف، ما يقلل من الشعور بالأمن في جو المنزل. 

 

 

عوامل ظهور صعوبات النطق :

يبدو مما تقدم ومن دراسة مختلف أنواع الحالات أن صعوبات النطق تشترك فيها عامل جسمية وعوامل نفسية ويمهد لظهورها طريقة نمو الشخص وتكوينه. وهذه يشترك فيها عوامل بعضها وراثية وبعضها بيئية. العامل النفسي الأساسي في التهتهة هو التوتر النفسى المصاحب للقلق أو الخوف أو فقدان الشعور بالأمن أو الشعور بالنقص وقد وجد أن 62% من الحالات التي تم دراستها وعددها 97 يوجد بها العامل الوراثي لاستعداد عصبي عام، أن 23% من هذه الحالات الأخيرة لم يكن الأطفال قد اتصلوا بآبائهم إطلاقا، حتى يقال: أن التهتهة انتقلت إليهم عن طريق التقليد.

ووجد كذلك أن 31 من حالاته بها زوائد أنفية 19 منها بها تضخم في اللوز و13 منها بها أسنان فاسدة، وبين أن العامل الجسماني إذا وجد أنه يكون عاملا مساعدا فقط.

وقد لوحظ أن الأعمار الملائمة لظهور التهتهة في سن الخامسة، والسابعة أو الثامنة، ثم الثالثة عشر أو الرابعة عشر ويعلل هذا بأن سن الخامسة هي سن بدء الذهاب إلى المدارس، أما سن السابعة أو الثامنة هي سن الانتقال إلى مرحلة جديدة من التعليم، وأما سن الثالثة عشر فهي سن بدء مرحلة أخرى من مراحل التعليم. وأهم من ذلك أنها سن بدء دخول المراهقة بصعوباتها النفسية المعروفة.

وقد لوحظ أن عددا قليلا من حالات التهتهة يظهر في السنة الثانية من العمر، وهذا هو سن بدء تعلم الكلام وبدء إتقان التوافقات الحركية اللازمة له، ويحتمل معها أن أي اضطراب إنفعالي في ذلك الوقت يؤدى إلى إختلالها.

وقد لوحظ أن التهتهة في البنين أكثر منها في البنات، وهذا الفرق يرجع إلى فروق طبيعية في كفاية أجهزة النطق وسرعة نضجها، وقد يرجع إلى أن الضغط التعليمي على البنين أكثر منه على البنات. كذلك لوحظ أن التهتهة أكثر انتشارا في المدن منها في الريف، ويرجع إلى أن الأعصاب أكثر تعرضا للإجهاد في المدن منها في الريف.

 

مصاحبات التهتهة :

يلاحظ أن الطفل الذي يتعثر في النطق يكون عنده شعور مكبوت بالنقص بسبب التهتهة، فنجده يميل إلى الذلة والإنكسار والإنزواء، ويتصف عادة بالصفات التى سبق أن ذكرناها في من يمصون أصابعهم. يحدث أحيانا مع هذا محاولة لتعويض هذا الشعور فيبدو الولد جريئا يحاول الإكثار من الحديث وتعويض تهتهته بأن يحكي قصصا مثيره إذا أمكن، وقام بعض الباحثين بتقسيم حالات التهتهة إلى أنماط، فوجدوا أن هناك نمطين :

أحدهما وهو الغالب يتصف بأنه خجول، جبان معتكف، منعزل يميل للوحدة شديد الحساسية، شديد الانفعالية. ويكون هذا النوع هزيلا نحيفا (ASTHENIC).

وأما النوع الثاني، وهو قليل، فتجده جريئا، متسرعا، مندفعا في أفعاله وفي كلامه. ولكن يخرج كلامه وتصدر منه أفعاله كالمقذوفات بشيء من السرعة والانطلاق. ويكون هذا النوع حسن الصحة سمينا لا نحيف. ويصاحب التهتهة عاده حركات عصبية عامه أو خاصة تنطلق فيها الطاقة المكبوتة، والتهتهة تؤدي عادة وظيفة دفاعية للشخص، فالناس لا يوجهون إليه أسئلتهم بحجة أنه يتهته، ثم أنه قد يظن أنه يقنع من حوله بأن المسألة ليست صعوبة في الفهم وإنما هي فقط صعوبة في التعبير، وهي لهذا تؤثر أثرا سيئا في الناحية التعليمية، إذ لا يشترك صاحبها في النشاط التعليمي الجمعي الإشتراك اللازم. وهي قد تؤثر كذلك في الناحية الصحية، فالذي يتعثر في النطق تجده عاده هزيلا شاحبا، ولعل هذا يرجع إلى الجهد العصبي الضائع في مجرد التوتر النفسي، أما النوع غير الهزيل فهو نادر كما بيننا.

ويتأثر الذي يتعثر في النطق بالمعاملة التي يلقاها ممن حوله. فإن كان غيرة يهزأ منه فإن هذا يزيد شعوره بنقصه، وإن كان يعطف عليه، فإن عطفه يذكره بعاهته: ولهذا نجد الإحتمال كبيرا في أن صعوبات النطق تجعل الشخص شاعرا بنقصه شعورا مباشرا، وشعورا مشتقا من مسلك الناس نحوه. ويترتب على هذا نوعان من السلوك كثيرا ما يجتمعان في حالة تهتهة: 

نوع يدل على الخوف من الغير والإنكماش منهم ونوع قد يدل على نقمته على الغير وكراهيته لهم، فأحيانا قد نجد التلميذ الذي يتعثر في نطقه منكمشا في المدرسة، وإن قام بنشاط فهو نشاط فردي في الغالب، وقد نجده في المنزل ناقدا لأخوته مشاكسا لهم.

ومن أمثلة هذين النوعين من السلوك، ما بدا من حالة طالب أشرنا إليه ضمن حالات التهتهة، فبينما كان هذا الطالب منكمشا هادئ قليل الكلام كتب مرة في كراسة الإنشاء نقدا مرا للمدرسة التى كان يتعلم فيها إذ ذاك، وحلل المجتمع والحكومة القائمة في ذلك الوقت تحليلا يعتبر جريئا جدا.

 

المدرسة والتهتهة :

وتكون المدرسة في بعض الأحيان مسؤولة عن ظهور التهتهة عند بعض الأولاد، وكثيرا ما تكون المدرسة جوا صالحا لإيضاح التهتهة ولعل سبب ذلك هو أن جو المدرسة يعيش فيه الطفل مده طويلة ولحياته فيه أهمية خاصة بالنسبة لحفظ كرامته في نظر نفسه، وبالنسبة لمستقبله وشعوره بالأمن عند النظر إليه فإن كان جو المدرسة يشعره مثلا بالفشل العقلي لعدم ملائمة العمل له، أو لسعة الفارق بينه وبين زملائه في الكفاية، أو يشعره بالفشل في اللغات بنوع خاص أو بالفشل الإجتماعي، فإن هذا يزيد حالة الخوف وحالات التوتر. وإذا ظهر هذا الشعور بالفشل في المدرسة فإن المنزل عادة يزيده تدعيما مما يزيد الحالة سوءا على سوء. ومما يساعد على ظهور التوتر في العلاقات بين المدرس وتلميذة شدة الاهتمام بالامتحانات وما تحدثه من قلق وما يترتب على ذلك من إرهاب وعقاب وإرهاق بالعمل وتوتر عام في الجو المدرسي كله.

ولكن من الأخطاء المعروفة في الموضوع الذي نحن بصدده إطلاق الأسئلة على التلاميذ إطلاقا سريعا والإلحاح في طلب الإسراع في الإجابات، أو إرغام الطفل على سرعة الإجابة وهو في حالة خوف أو غضب، أو إرغامه على إلتزام الصمت في الحال إذا يصرخ من الألم، أو يبث شكوى، أو يدفع عن نفسه ظلما، أو ما شابه ذلك.

كذلك من الخطأ تعليم الأطفال لغات متعددة جديدة في وقت واحد، أو ما يحدث أحيانا في القفز في تعليم اللغة القومية الصحيحة دون مراعاة للصلة بينها وبين اللغة الدارجة، ولا لوجوب من هذه إلى تلك.

والتلميذ الذي يتعثر في نطقه تثبت عنده هذه الصعوبة إذا هزأ به أخوته أو مدرسوه أو إذا أظهروا أنهم منتبهون لتهتهة أو متوقعون لحدوثها.

وقد لوحظ في أحيان كثيرة أن طفلا أو طفلين يتهتهان تبدأ بهما فرقة دراسية معينة في أول العام الدراسي قد تنتشر العدوى منهما إلى عدد من الأطفال. ففي مدرسة مصرية كان في فصلين خمسة أولاد يتهتهون من مجموع الأولاد، وفي نهاية العام الدراسي زاد عددهم إلى سبعة عشر ولدا. وربما يبدو أن هذه الزيادة وقدرها 20‌% زيادة كبيرة لولا أن (بيرت) أيضا يذكر أن بين خمسين طفلا في مدرسة ما أرتفع العدد من طفل واحد إلى تسعة أطفال في خلال السنة الدراسية، أي أن الزيادة حدثت بنسبة 16% والعدوى بالتقليد لا تحدث إلا إذا كان هناك أسباب كافية مهيأة لذلك.

 

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

مواضيـــع متشـــابهة