مرحلة الطفل في الروضة

مرحلة الطفل في الروضة

 

1- خلال الفترة الأولى من الحياة لا يلعب الأتراب دورا هاما في حياة الطفل، ولا يكون هناك إلا الشيء القليل جدا من اللعب القائم على المبادلة والمفاعلة. وابتداء من سن الثالثة تتزايد أهمية رفاق اللعب في خبرة الطفل، غير أن هناك فروق كبيرة بين الأطفال من حيث أنماط تفاعلاتهم مع رفاق اللعب، والخصائص الأساسية لما يقوم به طفل قبل المدرسة من اتصالات بغيرة من الأطفال تكون إلى حد كبير انعكاسا لما تعلمه في بيته، أي أن أنماط السلوك التي تكررت أثباتها في البيت (سواء أكانت أقداما أو انطلاقا أو تهيبا وانسحابا، سيطرة أو خنوعا، روحا وديا أو عدوانية)، تكتسب صعودا في معراج الاستجابات عند الطفل ولذلك يزداد احتمال استخدامها في مواقف اجتماعية أخرى ويتبين الطفل خلال اتصالاته في المواقف الاجتماعية الجديدة مثل مدرسة الحضانة أن كثيرا من الاستجابات التي كان والداه يثيبانها تعود عليه بالثواب من الآخرين كذلك، في حين أن هناك استجابات أخرى يثيبها الوالدان ولكنها غير مقبولة عند من عاداهم، بل وقد تثير العقاب من طرف المعلمين أو الأطفال الآخرين، فتميل مثل هذه الاستجابات أي التناقص يحل محلها استجابات تثيبها جماعة الأقران. وقد بنيت دراسة قامت بها بارتن  M.B.Bartenحدوث ازدياد مطرد في التوجه الاجتماعي social orientation خلال فترة ما قبل المدرسة وكانت الباحثة في هذه الدراسة تسجل ملاحظاتها عن 42 طفلا في دور الحضانة تتراوح أعمارهم ما بين سنه 2 وسن 5 وكانت تقوم بتصنيف المشاركة الاجتماعية في كل عينة وتقدر له الدرجات على أساس ست نواحي هي: سلوك غير المنشغل (-3) لعب منفرد (-2) سلوك المتفرج يرقب ولكن من غير أن ينضم إلى اللعب (-1)، لعب متوازي أي يلعب إلى جوار الأطفال الآخرين الذين يستخدمون نفس أدوات اللعب بدلا من أن يلعب معهم (+1)، لعب مترابط (يلعب مع الآخرين ويشاطرهم أدوات اللعب (+2)، لعب تعاوني أو منظم (+3)، ثم كانت الباحثة تقوم بحساب درجة مركبة للمشاركة الاجتماعية لكل طفل وذلك عن طريق جمع الدرجات التي حصل عليها خلال فترات الملاحظة كلها.

وتبين أن قلة فقط من هؤلاء الأطفال كان يلاحظ عليهم السلوك غير المشغل، وأن اللعب المتوازي وهو أكثر صور السلوك الاجتماعي بدائية، كان يميز الأطفال الصغار لا الكبار، وأن الأطفال الكبار كانوا يشاركون بتكرار أكبر في اللعب المترابط أو التعاوني، وأن درجات المشاركة الاجتماعية المركبة ارتبطت ارتباطاً عالياً بالعمر الزمني (ر= 0.61) وهذا يبين أن كلما تقدم الطفل في العمر، أخذوا يقضون وقتاً أطول في التفاعلات الاجتماعية من النوع المترابط أو التعاوني، ووقتاً أقل دون نشاط أو وجدهم أو في مجرد الملاحظة والتطلع.

وبازدياد توجه الأطفال نحو الاجتماعية يزداد ميلهم إلى الارتباط الوثيق بعدد قليل من الأتراب. وقد بنيت إحدى الدراسات أن أطفال ما قبل المدرسة ينشئون الصداقات مع أفراد جيلهم أكثر مما ينشئونها مع أفراد الجنس الآخر، وأن التشابه في العمر الزمني والاجتماعية والنشاط البدني يؤثر في الصداقة بين الأولاد، وأن البنات اللاتي صرن صديقات كن متشابهات في المشاركة الاجتماعية والعمر الزمني والاجتماعية والنشاط البدني، وأن التشابه في طول القامة، والانبساط، وجاذبية الشخصية، والذكاء، وكثرة الضحك، لم يكن لها تأثير في صداقات الأولاد والبنات.

2- تدل ملاحظة الأطفال في هذه المرحلة على أن لمعظم الأطفال صديقاً أو صديقين، ولكن هذه الصداقات قد تتغير بسرعة. ويميل الأطفال في هذا السن إلى المرونة اجتماعياً. وهم مرنون وقادرون على اختياره أصدقائهم من نفس الجنس وأن وجدت صداقات بين الأطفال من الجنسين.

3- تميل جماعات اللعب إلى أن تكون صغيرة وليست منظمة تنظيماً كبيراً ولذلك فإنها تتغير بسرعة.

ولا ينبغى أن يشغل التعلم إذا انتقل الأطفال من نشاط إلى آخر، فمثل هذا السلوك سوي بالنسبة لهذه الجماعة العمرية على الرغم من أن هذا السلوك قد يثرك ويضايقك أحياناً، ولا بد أن تتوقف لتفكر في مقدار الضبط والسيطرة التي تريد أن تمارسها مع تلاميذك، وفي أي لحظة يكون الإصرار على المثابرة مطلباً غير طبيعي يتداخل مع السلوك البناء بل وقد يؤدي إلى السلوك الهدام؟ والسؤال هو: في أي لحظة يكون الإصرار على الهدوء وممارسة أنشطة جلوساً أمرا مسوغا؟ ومتى ينبغي أن تصر على أن يستمر التلاميذ في الأنشطة التي اختاروها بأنفسهم في فترة معينة من الزمن؟

 

4- تشير الدراسات القائمة على ملاحظة أطفال ما قبل المدرسة إلى أن مواقف الإحباط في مدارس الحضانة قد تؤدى إلى استجابات عدوانية. وإلى أن نوع العقاب العدواني في مدارس الحضانة قد يؤدي إلى كف العدوان الصريح. مثال: ذلك أن بيانات إحدى الدراسات أوضحت أن الصراع يزداد احتمال وقوعه إذا كان الحيز الخاص باللعب في المدرسة محدوداً، وكان الإشراف قليلاً من جانب المدرسين. أي أن الأطفال في حيز اللعب المحدود يزداد احتمال تدخل واحد منهم في شؤون الآخر (وبالتالي إحباط أحدهم للآخر) عنه في الحيز الكبير الواسع، ولذلك كان احتمال وقوع الاستجابات العدوانية أكبر في أمثال هذه الحالات. كما أنه في حال قلة المدرسين المشرفين يقل احتمال منع هذه الاستجابات أو معاقبتها، ولذلك يترتب على هذا أن يزداد وقوع الاستجابات العدوانية.

وقد تبين من دراسة أخرى أن الأطفال يصدر عنهم استجابات عدوانية أقل واستجابات ودية، كذلك في مدرسة الحضانة التي يزداد فيها الضبط والتقليد (حيث كانت تعاقب الاستجابات العدوانية في أغلب الحالات)، حيث أن الأطفال الذين كانوا ينتمون إلى مدارس أكثر تسامحا وأقل تقييداً، كانت تصدر عنهم نسبة أكثر من الاستجابات، ما دعا الباحثين أصحاب هذه الدراسة إلى أن يستنتجوا أن – الفروق الفردية في السلوك العدواني تبدو مرتبطة لا بالفروق الأساسية في الشخصية فحسب، وإنما تكون مرتبطة كذلك بنوع البيئة الاجتماعية، وأن هذه العوامل الفردية تتفاوت إلى حد يبلغ من كبره أن يصبح من العسير علينا فهم سلوك العدوان عند الأطفال دون أن نفهم العوامل الفردية.

وقد لوحظ في هذه المرحلة من النمو أن المشاجرات بين الأطفال كثيرة، ولكنها عادة تستمر لفترة وجيزة وسرعان ما تنسى. وحين يتجمع 30 طفلاً معا لأول مرة في بيئة محدودة بها عدد محدود من الأشياء التي يشتركون فيها، فإن المتوقع أن تنشأ الخلافات حول الملكية والحقوق والأولوية... إلخ، ولا يمكن تجنب حدوث هذا. ومن الأفضل حين يكون ذلك في الأماكن أن نتيح للأطفال أن يسووا خلافتهم بأنفسهم وأن تتدخل فقط حيت تخرج المشاجرة عن حدودها. وإذا كان عليك أن تتدخل، فقد تحاول أن تجذب انتباه المتخاصمين إلى أشياء أو أنشطة أخرى بدلاً من أن تعمل كحكم بينهما تجبرهما على التوقف والتصالح. والمشاحنات لا تتضمن العدوان البدني عادة، ومع ذلك فإنها تنهك الآباء ومعلمات مدارس الحضانة، وتقلقهم ولكنها لحسن الحظ قلما تكون خطيرة في هذا السن وأن كثرت وتكررت.

ولقد تبين من تحليل مائتي مشاحنة قامت بين أربعين طفلاً ممن ينتمون إلى فترة ما قبل المدرسة، أن الأولاد يتجادلون أكثر من البنات وأن المشاحنات التي تنشب بين الأطفال الأكبر سنا تكون أقل عدداً ولكن أطول دواما مما يحدث بين الأطفال الصغار، وأن الخلافات تحدث بصفة أكثر بين الأطفال الذين يتفقون في الجنس ولكن يختلفون في العمر وأن الأطفال الأصغر سناً ولو أنهم يشتركون في مشاحنات أكثر لأنهم يتخذون أدوارا أقل عدوانية ولا يبدون إلا مقاومة قليلة في مواجهة السلوك الأكثر عدوانية الذي يصدر عن الأطفال الكبار. 

وأما الخلافات اللفظية بين الأطفال، فكانت مثل سائر خلافاتهم قصيرة في العادة تنتهي بسرعة. كما أن الابتهاج يعقب المشاحنات بنسبة أكبر مما يعقبها الاستياء والسخط. فالظاهر إذن أن انفعالات الأطفال في هذا السن تستثار بسرعة وتزول بسرعة، وأن المشاحنات تزود الأطفال بفرص لتعلم أشياء جديدة فقد أوصى الباحث الآباء بأن يتركوا أطفالهم ينهون شجارهم في الأحوال العادية.

على أن الطفل لا بد أن يجرب كلا من الاستجابات المرغوبة الودية القائمة على التعاطف، وغير المرغوبة (العدوانية الخلافية) خلال عملية التطبيع الإجتماعي. والسلوك العدواني يمكن أن يعد نتيجة سوية لاتساع احتكاكات الطفل الاجتماعية. صحيح أن الآباء والمعلمين من حقهم أن يرتاعوا من العدوان والمشاحنات التى تزيد عن الحد المعتاد في تكرارها أو شدتها. ولكن يبدو أنه لا بد من أن يصحب عملية "التجريب" الاجتماعية قدر معين من العدوان.

5- يوجه معظم السلوك اليومي عند الطفل لإشباع حاجاته الأولية (النوم والأكل) أو الحاجات المتعلمة (التماس المعونة لحل المشكلات) أو إلى الاستجابة للإحباط والاعتداء أو إلى تنفيذ مطالب التطبيع الاجتماعي التي يفرضها الكبار عليه. وإلى جانب ذلك نجد أن الطفل ينفق جانبا من يومه في استجابات لمواقف حرة لا يكون ملزما فيها بسلوك معقول، وهذا السلوك غير الواقعي يسمى عادة باللعب وله ثلاث وظائف رئيسية:

 

أ – أنه وسيلة لتصريف الطاقة، فالحياة العصرية تضطر الطفل إلى أن يكيف نشاطه الحركي فترة طويلة (كأن يجلس عاقلاً ويمنع نفسه من الجري غير الموجه... إلخ) وهذا التقييد يعرضه للإحباط ومن هنا فإنه يحتاج إلى فترات نشاط عنيفة ممتعة ومشبعة.

ب- اللعب يفيد في التدريب على المهارات الجديدة، فالولد الصغير يلعب بابلي والبنت الصغيرة تخيط فوطة لعروستها والقيام بهذا السلوك يؤدي إلى اكتساب مهارات جديدة ويشبع حاجة الطفل إلى الكفاءة.

جـ - الرغبة في التدريب على أنواع السلوك التى تصدر عن دور نموذجي (حقيقي أو متخيل) فقد تلعب البنت الصغيرة دور ممرضة أو دور أم، ويلعب الطفل دور عسكري أو طيار. وكثير من ألعاب الأطفال تتضمن أدواراً راشدة حياتية تتيح للطفل أن يشترك اشتراكاً وهميا في عالم الكبار ويشعر لفترات وجيزة بمشاعرهم.

وعندما يبلغ معظم الأطفال الخامسة من أعمارهم يصبحون على وعي بكثير من أنواع السلوك المتناسب مع جنسهم، ولو عرضت عليهم سلسلة من الصور التي توضح أشياء أو أوجه نشاط تتفق مع اللعب الذى يتناسب مع البنين والبنات (من قبيل العرائس وأدوات الطبخ) لو حدث أن الغالبية العظمى من الأطفال في سن الثالثة والرابعة والخامسة يصرحون بأنهم يفضلون أشياء وأوجه النشاط التي تتناسب مع جنسهم.

ثم إن تفضيل أوجه النشاط التى تناسب جنس الفرد يزداد خلال سنوات ما قبل المدرسة. من ذلك مثلاً أن أطفال الرابعة يظهرون قدراً أكبر من التفضيل للأشياء وأوجه النشاط التى تتناسب مع جنسهم مما يفعل أطفال الثالثة. أضف إلى ذلك أن الأولاد والبنات في أعمار من 4 سنوات و9 شهور إلى 5 سنوات و9 شهور يصرحون في المقالات الفردية بأنهم يشعرون بأن آبائهم يفضلون لهم أن يصطنعوا أنواع السلوك المنمطة جنسياً.

ويستمتع الأطفال في هذه المرحلة بتمثيل بعض القصص التي يرونها في برامج التلفزيون أو يستمدونها من خبراتهم. وعليك كمعلم أن تساعد الأطفال على أن يلعبوا ويمثلوا الأدوار المرغوب فيها، وعليك أن تسجل في كراس التحضير بعض أنماط المسرحيات أو التمثيليات التي تريد أن تشجع الأطفال على أداء دورها. وتلك التي لا ينبغي أن يمثلوها. ماذا يكون شعورك بالنسبة لألعاب الحرب على سبيل المثال، وعسكر حرامية؟ ذلك أن البعض يرى أن الألعاب التى تمثل العدوان مرغوب فيها لأنها تساعد الأطفال على التنفيس عن توتراتهم. بينما يرى الآخرون أن هذه الألعاب تعرض الأطفال للعنف وتجعلهم لا يشاركون وجدانيا أولئك الذين يتعرضون للمعاناة والقسوة.

 

6- يبدأ الوعي بأدوار الجنس "التنميط الجنسي": حين يلتحق الأطفال برياض الأطفال، ذلك أن معظمهم يتوافر لديه فهم أولى للسلوك الذى يعتبر مناسبا للأولاد وللبنات في مجتمعهم وحتى وقت قريب سلّمنا بأن هذا التمييز بين متطلبات دور الرجل ومتطلبات دور المرأة هو المرغوب فيه وأن ما عداه مرغوب عنه وأن علينا أن نشجع التنميط الجنسي ولكن بعض المفكرين يضعون هذا التسليم موضع التساؤل. وترى فلورانس هو Florence Howe (1971) بعد تحليلها للمواد التعليمية والأنشطة المستخدمة في المدارس الإبتدائية أن الأولاد يصورون على أنهم نشطون، ومغامرون، وواثقون من أنفسهم وطموحون، بينما يصور البنات في الأساس كربات بيوت. وتذهب إلى أنه ابتداء من رياض الأطفال تشكل البنات ليتقبلن عمل ربة البيت كدورهن الوحيد وبنهاية المدرسة الابتدائية يكون هذا التعميم الجامد قوياً جدا ومسيطراً ويصعب تنحيه جانباً. ونتيجة لذلك، تعد البنات لدور ربة البيت التزاما بالواجب. 

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع