كيف تقوي الذاكرة

كيف تقوي الذاكرة


إلى أية درجة من الصحة والجودة يستطيع الأطفال تذكر ما يسمعون أو يرون؟ ليس هذا بالسؤال السهل، إذ يتوقف الأمر على طبيعة المادة المتذكرة أهي لفظية أم تصويرية، وعلى ما يقصده السؤال من تذكر طويل المدى أم قصيره، وعلى المستوى النمائي للطفل، وخاصة في القدرات الإدراكية . من الأفضل إذا كان على الطفل أن يتذكر شيئاً ما، عرض ذلك الشيء أو اسمه، أو الشيء واسمه على الطفل. لا بد هنا من التساؤل عن طبيعة النشاط التذكري للطفل، فقد تكون ذاكرته بصرية أو سمعية أو سمعية بصرية أو من بعض أنماط حسية أخرى. وعلى العموم، يميل أطفال ما قبل المدرسة الى تذكر صور الأشياء بشكل أفضل بكثير من تذكرهم لأسمائها. لقد تذكر أبناء الرابعة في إحدى الدراسات 93% من الأشكال الستة عشر التي عرضت عليهم ولم يتذكروا سوى 71% من بنود لفظية عرضت عليهم بالشروط التجريبية ذاتها. غير أن من الضروري أن نلاحظ أن المبحوثين كانوا يحاولون تسمية الأشياء التي عرضت عليهم، الأمر الذي قد يدفعنا الى الشك بتعاون الشيء مع اسمه على مساعدة الصغار على التذكر.

كانت مواد التجارب المذكورة صور ومفردات لا رابط بينها. فماذا يحدث لو عقدت المادة المطلوب تذكرها؟ وهل يستطيع الصغار تذكر الأفكار المترابطة في مادة نثرية أكثر من تذكرهم نظيرتها المفككة في نفس المادة؟ إن النتيجة واضحة. يستطيع أطفال ما قبل المدرسة تذكر الأفكار ذات السياق المترابط بمعان خصبة أكثر من قدرتهم على تذكر أفكار تعجز معانيها عن إقامة سياق ترابطي متماسك. يشبه تذكر الصغار، بهذا المعنى، تذكر الأطفال الكبار والراشدين، ويبقى الفارق بين الفئتين في عجز الصغار عن تذكر قدر مماثل للأطفال الكبار والراشدين.

لا يملك الصغار في تذكرهم لقوائم المفردات، والنثر، وسلاسل الصور، أساليب تذكرية ملائمة. الغالب أن يربط كبار الأطفال والراشدين العناصر الفردية لمتذكر ما بصنف أعم منه، إلا أنه تعوز أطفال ما قبل المدرسة مهارات التصنيف الفرز والتعميم. فقد يصنفون كلباً وقطاً معاً ويهملون البقرة والبغل لأن الكلب والقط يعضان، والبغل يحمل والبقرة تعطي الحليب. وتكتمل القدرة التصنيفية للأولاد بحلول عامهم السابع فيذكرون الأشياء في إطار أصنافها الأكثر عمومية. ولا يعني هذا إن القدرة التصنيفية تنمو بصورة مفاجئة بل إن لها جذورها النمائية التدريجية المتمثلة بمناورات بدائية للأولاد الأصغر من السابعة. فلقد لوحظ ان ابن الثالثة يستخدم مخططات مكانية وزمانية ولفظية أكثر من ابن الثانية. لذلك، إذا ما سئل أبناء الثالثة والثانية أين خبأت اللعبة؟ مال أبناء الثالثة للالتفات صوب المكان الذي خبئت فيه اللعبة أكثر من ميل أبناء الثانية له ذلك بصدد الذاكرة القصيرة المدى فماذا بشأنا لذاكرة الطويلة المدى؟

يروي بياجه واينهلدر نتائج مثيرة للدهشة بصدد التذكر الطويل المدى. فقد أنكر الباحثان أن التذكر يكون نسخاً عن المعاناة أو خزن بسيط واستعادة للمخزون من الطبيعة نفسها. إن التذكر، برأي بياجه ورفيقه، فعالية نشيطة تخضع معها المعاناة الأولية لتحولات عديدة عميقة قبل أن تسترجعها. وما يتذكره الطفل لا يشابه الأصل المختزن. وفي الواقع لم تكن نتائج بياجه واينهلدر بجديدة إذ سبق لبارتليت وفرويد أن أوضحا أن المخزون المتذكر يتعرض للعديد من التحولات التلقائية. لقد أبان بارتليت أن القصص المتذكرة تتنمق أو تنشحذ في بعض الجوانب، وتستوي أو تتغير في جوانب أخرى فيعدو الجبل هضبة، وخمسة الأيام والنصف أسبوعاً. لاحظ فرويد بدوره أن الكثير مما تذكره مرضاه لم يخرج عن كونه تخيلات مصطنعة أو مشاهد بناها اللاشعور لإخفاء الحوادث المؤلمة أو تمويهها. وكل ما فعله بياجه وفيقه هو إضافة البعد النمائي لفكرة "بارتليت" وفرويد. فقد أظهر الباحثان، في سلسلة من الدراسات، أن تذكر الأطفال للأشياء الكمية يتغير تلقائياً مع نمو القابليات العقلية اللازمة لفهم العلاقات الكمية. عرض على أولاد الرابعة والخامسة والسادسة في إحدى الدراسات، مجموعة من ثماني عصي شكلت سلسلة بحجوم مرقمة. رتبت العصي من الأصغر للأكبر وسئل الأولاد أولاً نسخ السلسلة ثم سئلوا رسمها من الذاكرة، وذلك مباشرة بعد رؤيتها، وبعد أسبوع أو ستة أشهر من رؤيتهم لها. صعب على أبناء الرابعة نسخ السلسلة وتذكرها بشكل دقيق، وغالباً ما كانوا يرسمون زوجاً من العصي تكبر إحداها الأخرى. خلافاً لأبناء الخامسة والسادسة فقد كانوا أكثر دقة وأعطوا نسخاً مطابقة للسلسلة. المذهل أن يبدي أبناء الرابعة تحسناً واضحاً في رسمهم السلسلة بعد ستة أشهر من رؤيتها على رسمهم لها بعد رؤيتها مباشرة وذلك على الرغم من أنهم لم يسألوا رسم السلسلة ين التاريخين. وقد خلص بياجه واينهلدر الى القول بأن التحولات قد حدثت نتيجة لنمو القدرة الإدراكية لترتيب عصي من حجوم مختلفة. ولقد دعم باحثون آخرون نتائج بياجه وزميله.

قدم بياجه واينهلدر دليلاً جديداً على أن التذكر ظاهرة نشطة. وليس ضرورياً في ضوء نتائج بياجه، الإنسياق مع رأي فرويد وبارتليت، القائل بأن للذاكرة خاصة تشويهية، إذ أن التذكر يتحسن مع الزمن. والمبدأ نفسه لا ينطبق على حوادث الطفولة المبكرة إذ لا يتذكرها الراشد إلا نادراً جداً. ولا يشمل "هذا النادر" سوى حادث أو حادثين جزئيين مفككين وغائمين. يرجع السبب في ذلك الى غموض مفهومي الزمان والمكان عند الطفل. فالذكريات تخزن في إطاريها الزمني والمكاني كما يتمثل الأمر في سؤالنا اين كنت ليلة..؟ ومفاهيم الصغار عن المكان والزمان في غاية الغموض إذ أنهم يعجزون عن إقامة إطار منهجي يمسك الذكريات. وهذا ما يجعلهم، عندما يصبحون راشدين، عاجزين عن تذكر حوادث طفولتهم المبكرة. 

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

مواضيـــع متشـــابهة

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha