النمو العقلي وتقويم الذكاء عند الطفل

النمو العقلي  وتقويم الذكاء عند الطفل


يكون النمو العقلي لطفل مرحلة ما قبل المدرسة جلياً شأن النمو العضوي والحركي خلال الرضاعة. ينمي الأولاد في تلك الفترة ما يدعى بالذكاء العام، وتقسيه الروائز المعيرة المشابهة لأدوات روز الأطفال الكبار والراشدين. تتكون في هذه المرحلة العمليات المعرفية المتنوعة كالإدراك والذاكرة والتعلم وحل المشكلات واللغة. ويتسع إدراك الطفل للعالم ويتعمق بسبب اشتداد حدة قوته العقلية إذا ما قورن الأمر بذكاء الرضيع. إننا سنتناول فيما تبقى من الفصل التغيرات الخارقة للقوى العقلية.

 

تقويم الذكاء

صممت روائز الذكاء في الأصل، لأطفال ما قبل المدرسة وأطفال المدرسة، فعكست أنماط القابليات التي يبديها هؤلاء الأطفال في التكيف للمواقف الجديدة. تضمنت بعض الروائز الفرعية في مقياس ستانفورد بينه بعض القابليات التي يتوقع أن يمتلكها الأطفال بين السنتين الثانية والخامسة. تهدف تلك الروائز الى قياس التناسق الحركي الإدراكي، فيسأل الأولاد في اللوح ذي الثقوب الثلاثة وضع مربع ومثلث ودائرة كل في ثقبه المناسب. ويسألون ، في رائز آخر، بناء قلعة من المكعبات، وتتطلب الروائز أخرى التعرف على صور الأشياء العامة. ويدفع رائز رابع، بعد فترة من الانتظار، الأولاد لإيجاد شيء خبىء تحت واحد من ثلاثة أشياء، الأمر الذي يجعله أداة لاختبار قدرة الصغار على التذكر.

افترض بينه، لدى تصحيحه رائزه للذكاء، أن الشخص يمكن أن يعد متوسطاً أن استطاع أداء ما يستطيع أبناء سنه أداءه. وهكذا صمم الرائز أصلاً ليكون مقياساً نفسياً ولم يصمم ليكون مقياساً عضوياً. توضع بنود الرائز في مستويات خاصة من العمر طبقاً لعدد الأولاد في العينة التعييرية الذين أصابوا إجابة كل بند. ففي رائز بينه استطاع خمسون بالمائة من أبناء الثانية إصابة إجابة اللوحة ذات الثقوب الثلاثة وعجز أبناء السنة الأولى عن إصابة إجابة اللوحة المذكورة، خلافاً لأبناء الثانية الذين حققوا إصابة كاملة للمشكلة، مما دفع الباحث لعد الرائز معياراً للسنة الثانية.

هناك، على العموم، ستة روائز لكل مستوى سني، والإجابة عن أي منها تكسب الطفل شهرين من المقابل الزمني. يبدأ الفاحص عادة بمستوى سني دون المستوى الذي يعتقد أن الطفل سيصيب إجابة كل بنوده وهذا ما يسمى بالعمر الأساسي. يعطي ابن الرابعة مثلاً كل روائز مستوى السنة الثالثة. فإن أصاب إجابة كل بند من ذاك الرائز أعطي آلياً مقابلاً سنياً لكل السنوات السابقة. ويستمر الروز حتى يفشل الطفل في كل بنود الرائز لعمر معين، وهو ما يسمى بالعمر السقف. وتتكون نقطة الطفل من نقطة العمر الأساسي مضافاً إليها عدد الأشهر المكتسبة بعدها. تشكل النقطة الكلية المكتسبة العمر العقلي للطفل.

لم يرق العمر العقلي الذي وضعه بينه للإشارة الى المستوى العقلي للمبحوث، الباحثين الآخرين فطلبوا أداة قياس يمكن التعبير فيها عن ذكاء الطفل في إطار الآخرين. إن متوسط معامل الذكاء الاحصائي للسكان في هذا النوع من القياس هو المائة. وتغدو النقط فوق المتوسط وتحته أقل تكراراً بمدى ابتعادها عن المتوسط . عمد فكسلر الى إيجاد طريقة لقياس الذكاء تختلف جذرياً عن منهج بينه وذلك بالتخلي كلياً عن مفهوم العمر العقلي واستخدام مقياس نقطي للذكاء. وخلافاً لبينه الذي ينقط الشخص بالأشهر والسنين، يعمد فكسلر الى قياس مبحوثه بالنقط الخام ثم يحولها لمعاملات ذكاء. تعطي روائز فكسلر للراشدين والأطفال بمن فيهم أطفال ما قبل المدرسة ثلاثة معاملات ذكاء: الأول لفظي والثاني عملي والثالث كلي. يمكن لأمثلة من رائز فكسلر الحديث لأطفال ما قبل المدرسة أن تساعد على إيضاح القابليات التي تختبرها المقاييس العملية والنظرية. يقوم أحد الروائز النوعية على المعلومات العامة ويشمل أسئلة مثل كم أذنا لك؟ وماذا يعيش في الماء؟ ويتكون رائز لفظي آخر من المفردات التي يسأل الطفل عن تعريفها. يبدأ الرائز بكلمة حذاء وسكين، ثم ينتقل الى المفردات الأكثر صعوبة مثل مجهر ومقامر. ويسأل أحد الروائز العملية الأطفال عن المقوم الناقص لشيء مألوف مثل سن مشط مكسورة. ويتطلب رائز عملي ثان تصميم شكل باستخدام المكعبات. تجدر الإشارة هنا الى أنه على الرغم من استخدام روائز بينه وفكسلر بنوداً وإجراءات روز وطرائق تنقيط متباينة فإنها تترابط فيما بينها بمقدار 00.75 وهذا أمر يدل على أن الرائزين يقيسان قدرة عامة أو ذكاء عاماً إضافة لقياسهما قابليات خاصة تتطلبها مختلف بنود الروائز العقلية. وإن نحن سألنا عن السبب الذي يجعل روز أطفال المدرسة وما قبلها أكثر صدقاً وثباتاً من روز الرضع، وجدنا أن صغار الأطفال، وخلافاً للرضع، يمتلكون قابليات لفظية تسهل استجابتهم للتعليمات وإجابتهم عن البنود. ثم أن أولئك الأولاد أكثر اجتماعية وأقدر اتصالاً وأقل تركزاً حول اهتماماتهم الخاصة من أندادهم الرضع. لكن روز الطفال يتطلب مهارة خارقة لأن على هؤلاء أن يشعروا بالراحة والرضى من الراشد كي يتمكنوا من إنجاز ما يطلب إليهم. وقد أشارت إحدى الدراسات الى العلاقة بين شعور الطفل بالراحة وبين إنجازه في الرائز. أكد الباحثون بأن واقعة فقر إنجاز الأطفال المحبطين في روائز الذكاء يرجع لعوامل دافعية مثبطة وليس لانخفاض القدرة العقلية. تشمل تلك العوامل الشك بالراشد الغريب وعدم الرغبة في أن يبدو المرء مصيباً لمجرد الصواب، وركون المفحوص للرضى بمستويات تحصيل دنيا. لا بد من الإشارة الى أنه لا يصح الاعتماد على معامل الذكاء وحده في تقويم الناشئة. من المؤكد أنا لذكاء المرتفع، على الرغم من فائدته الكبرى في المدرسة والحياة، وبالنسبة لكافة مراحل النمو، غير كاف بحد ذاته ولا يضمن النجاح. فقد يكون معامل الذكاء مرتفعاً مع أن صاحبه فقير في السلوك الاجتماعي والخلقي وفي الكثير من المهارات وأنماط الفعل الضرورية لمواجهة متطلبات الحياة. تؤكد بعض الدراسات أن معامل الذكاء المرتفع لا يضمن مهارة الانجاز الكاملة. ولا شك أن العمل المدرسي يتطلب أكثر من معامل ذكاء مرتفع من أجل التكيف المناسب. من جهة ثانية تعرضت مقاييس الذكاء ونظرية القدرات العقلية بمجملها لهجوم عنيف من قبل بعض علماء النفس الذين تحدوا معنى روائز الذكاء وقيمتها، يدّعي هؤلاء أن روائز الذكاء لا تقيس الذكاء الأصلي بل تقيس مجموعة محدودة من الكفاءات التي تتعلمها الطبقة المتوسطة. وتشمل تلك الكفاءات المهارات اللفظية والاتجاه من التحصيل، وأساليب إجابة الرائز وغيرها. وبما أن تلك المهارات تكون مكتسبة وليست جزءاً من المعطى الأصلي للطفل، فإن ابن الطبقة المتوسطة والعليا يكون في وضع محاباة وتحيز خلافاً لوضع ابن الطبقة الدنيا الذي يتصف وضعه إبان الروز العقلي بالتحيز الظالم. وهذا ما يفسر السبب الذي يجعل أبناء الطبقة المتوسطة يحصلون بالنظام على نقط أرفع من نظيرتها لدى أبناء الطبقات الدنيا. تؤيد دراسات الأغناء التربوي التي أجرتها السلطات التربوية في مدينة نيويورك وجهة النظر السابقة تأكيداً مطلقاً. تبين في هذا الصدد أن المعايير العمرية والانحرافات الفردية عن هذه المعايير تتحدد بالروائز التي ترتبط بنتائجها بدرجة هائلة بالوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه الأطفال، وبما يتوفر لهم من عوامل التعليم والتعلم. ومن هنا فإن لأبناء الطبقات العليا في روائز الذكاء فرصاً أكبر للنجاح من أبناء الطبقات الدنيا وخاصة منهم أبناء الأقليات العرقية. تشير الدراسات المذكورة الى أن معامل الذكاء الذي يصف، بدرجة ما، القابليات الفردية للطفل يظل دائماً موضع شك. فقد يخفق الطفل على سبيل المثال، في حل مسألة من المسائل أو بند من بنود الاختيار لا لأنه متخلف بالفعل، بل لأنه لم يكتسب ببساطة خبرة أو معرفة بهذه الناحية (أسعد، 1967). بالإضافة الى ذلك تعول روائز الذكاء على الإنتاج النهائي للنشاط العقلي دون أن تعير اهتماماً لكيفية تشكل هذا النشاط وصيرورته. فليس المهم أن تحدد إنجاز الطفل في جانب محدد فحسب، كما هو الحال عند استخدام الروائز العقلية، بل المهم تتبع مسار النمو من أجل تحقيق التحكم الأمثل بعملية النمو وهكذا فإن تقديرات الأطفال عن طريق روائز الذكاء يجب أن تدعم بمعلومات تأتي من مصادر أخرى وذلك لاعتبارات علمية وعملية.

 

النمو الإدراكي

يشمل النمو الإدراكي العمليات التي بوساطتها اكتساب المعلومات التي تصلنا عبر الحواس. ويتحدد النمو الإدراكي بالمخطط الإدراكي العام الذي يتأسس أثناء سنوات ما قبل المدرسة وينمو على النحو التالي: يميل إدراك الطفل الصغير لأن يمسك بالملامح الغالبة في المثير ويتشبت عليها. ويتحرر إدراك الطفل من اتكاليته المبكرة على الملامح الغالبة في المثير مع تدرجه في السن ونضج قدراته المكونة، بحيث يستطيع استشفاف تركيبات المثير وتنظيمها ككل. يظهر هذا التغير في الوقت نفسه الذي ينمي فيه الأطفال عدداً من المهارات الحركية.

يتجلى النمو الإدراكي للطفل في واقعة تفضيله لمجموعات المثير المعقدة، وفي ازدياد قدرته على التعامل معها ومجابهتها. ومن المتفق عليه أن يمثل التعقيد والجدة اثنين من مميزات المثير التي تجر سلوك الاستطلاع من جانب الطفل. يمكن لنا أن نتوقع، طبقاً لهذا، أن يصير الطفل أكثر تنبهاً للمثيرات المعقدة وأميل لتفضيلها على سواها بتدرجه في السن وازدياد قدرته على فهم تلك المثيرات. وهذا ما يحدث بالفعل. فعندما تعرض على الأطفال مجموعة من الأشكال المتزايدة في التعقيد ويطلب اليهم رسمها من الذاكرة، يميل كبار الأطفال الى اكتشاف الشكل الأكثر تعقيداً، وذي الجوانب المتعددة، وتفضيله على سواه وذلك خلافاً للأطفال الصغار. والظاهرة الإدراكية الأخرى التي تواكب نمو القدرة الإدراكية للطفل، هي التعميم عبر الأنماط الحسية. تتجلى تلك الظاهرة بمقارنة ما عاناه الطفل في حاسة ماء، بما عاناه في حاسة أخرى. يسأل الطفل ، مثلاً، أن يمسك وهو مغمض العينين شكلاً ما ثم يتعرف عليه بعد تمثيله أمام بصره. أكدت الدراسات أن التعميم عبر الأنماط الحسية ينمو مع تصاعد الناشئ في العمر. ففي إحدى الدراسات سئل أبناء الرابعة والخامسة رسم نغم موسيقي سمعي عرض عليهم فعجز الصغار عن عزل السلاسل الزمنية عن المكانية. وما أن بلغ الأطفال السنة السابعة من العمر حتى أجادوا التمثيل المكاني للسلاسل الزمنية دون أن يحاولوا تقليد الملامح العضوية للصوت.

من جهة ثانية، تشير الدراسات، في مجال تعميم النمط الحسي، الى أن الإدراك لا ينمو في عزلة عن الظواهر النفسية الأخرى مثل الدافعية وسواها، بل أنه ينمو متفاعلاً مع تلك الظواهر. وللدلالة على ذلك، هب أنك طلبت الى أبناء الرابعة حتى الثامنة رسم صور سانتا كلود، دورياً قبل عطلة الميلاد وبعد أسبوعين منه، فإنك ستلاحظ أن صور القديس المذكور تكبر كلما قرب الميلاد وتصغر بإشراف العطلة على الانتهاء.

يرتبط النمو الإدراكي بنظيره اللغوي، فيساعد ترداد أبناء الرابعة لأسماء الأشكالعلى تذكر تلك الأشكال أكثر مما لو سمعوا شخصاً آخر يردد تلك الأسماء. ثم إن سماع الآخر يردد أسماء الأشياء يساعد الأطفال على تذكر الأشياء أكثر مما لو لم يسمعوا أسماءها قط. ولقد تبين أن للغة أهميتها في مساعدة أبناء الرابعة على التمييز الإدراكي لعجزهم عن التركيز الانتقائي في تلك السن. فاللغة تساعد الأطفال على انتقاء الجوانب الهامة من مثير معقد، وإهمال الجوانب الثانوية من ذاك المثير. من الواجب هنا أن نلاحظ أن تأنيب الوالدين للصبي والمتمثل بقولهم: "أنظر ما تفعل" يجب أن يتخصص حتى يصبح مجدياً. ومن الأفضل للوالد في هذه الحالة أن يقول للولد: "راقب حافة كأسك عندما تصب العصير".

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

مواضيـــع متشـــابهة

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha