مشاكل الاتصال عند الأطفال

مشاكل الاتصال عند الأطفال


يرى علماء النفس أن وظيفة الصوت الاتصال بأخر اتصالا يصح أن يساعد على تحقيق حاجة نفسية . كذلك النطق عند الانسان ؛ فهو يعبر عن حاجة يراد تحقيقها بالاستعانة بكائن حى أخر يغلب أن يكون أنسانا مثله .

فكأن عملية النطق عبارة عن نشاط إجتماعى يصدر عن الفرد وتتدخل فيه عدة توافقات عصبية دقيقة مركبة ، يشترك فى أدائها مركز الكلام فى المخ الذى يسيطر على الأعصاب ، وهذه تقوم بتحريك العضلات التى تقوم بإخراج الصوت . وكذلك تشترك الرئتان ، والحجاب الحاجز ، فتقوم الرئتان بتعبئة الهواء ، وتنظيم اندفاعه . وبمرور الهواء على الأوتار الصوتية ، وداخل الحنجرة ، والفم ، والتجويف الأنفى ، تحدث تشكيلات مختلفة من الأصوات . وكذلك تساعد تغييرات أوضاع اللسان والشفتين على زيادة التنويع فى الأصوات . ويحتاج النطق السليم إلى مران طويل جدا يبدؤه الطفل عادة منذ ولادته ، فهو يبدأ بالصراخ ، ثم الضحك والمناغاه ، ثم يسمع نفسه ويسمع من حوله ، ويبدأ يجرب تشكيلات مختلفة من الأصوات . ثم يبدأ يقلد من حوله إلى أن ينجح فى إخراج الألفاظ وفى الكلام . وهذه عملية طويلة شاقة يبذل فيها الطفل جهدا كبيرا ، ويتعاون فيها السمع والبصر وأجهزة النطق – الأصلية منها والمساعدة 

ويتضمن النطق – كما قلنا – نشاطا لفرد يقصد به الإتصال بالغير ، ومن هذا تبدو أهمية الكفاية الحركية للسان وإندفاع الهواء وتنسيق الحركات كلها تنسيقا يؤدى إلى النطق الصحيح . وتبدو أيضا أهمية الحاجة النفسية المراد التعبير عنها ، وضرورة مطابقة الإخراج التعبيرى لما هو موجود فى النفس ، وكذلك قيمة ثقة المرء فى قدرته على التعبير . ويلاحظ أن جزء غير قليل من هذه الثقة يشتق من الإتجاه الذى يأخذه المخاطب عاده نحو المتكلم فى أثناء سير الحديث .

لهذا كله كان النطق أهم وسائل الاتصال الاجتماعى ، وكانت له قيمته الممتازة نواحى نمو الفرد المختلفة سواء فى ذلك نموه تفكيره أو طابع شخصية بوجه عام .

 

بعض الحالات :

يتلخص وصف أعراض صعوبات النطق فى أنها أختلال فى التوافق الحركى بين أعضاء النط المختلفة . ونظرا لكثرة أجزاء هذه الاعضاء . ولتنوع أساليب نشاطها ، ولتعدد التشكيلات المختلفة لها ، فإن صعوبات النطق كثيرة ، وتختلف فى شدتها ونوعها بإختلاف درجة الإضطراب ، ونوع العضو البارز فيه . لذلك نجد بعض الصعوبات مثلا مرتبطا بتشوه الأسنان أو بأنشقاق الشفة العليا ، أو بوجود الزوائد الانفية ، أو غير ذلك. ويلاحظ أن نوعا من أنواع صعوبات النطق يحدث عاده لكل أنسان. 

 

ولأجل أن تبين الأسباب المختلفة يصح أن نعرض بعض الحالات :

أولى هذه الحالات الولد في سن العاشرة أرسله والدة للعيادة لصعوبة شديدة فى النطق . وقد فحصت فى أول الأمر حالة الولد من النواحى الجسمانية للتأكد مما إذا كان هناك مرض عضوى يمكن أن يكون عاملا أصليا أو عاملا مساعدا فى وجود العى ، وقد قام لفحصه المتخصصون فى الأمراض العصبية ، وفى أمراض الأنف والأذن والحنجرة وفى الأمراض الباطنية ودلت كل هذه الأبحاث على أنه ليس هناك أى مرض جسمانى يصح أن يكون سببا مباشرا للعى . ولو أنه ظهر أن لديه تقيحا فى اللوزتين ونصحت الأسرة بإزالتها وبالفعل أجريت له العملية اللازمة لذلك ، وكان لها أثر ظاهر من حيث التحسن العام .وقامت العيادة كذلك بدراسة الولد من الناحية النفسية ، وتبين أن ذكائه فوق المتوسط بكثير ، وأنه يتعثر فى النطق إذا شعر بأنه مراقب وبأن أخطاءه ستوضع موضع النقد . وكانت ولادته عسره وإستعملت فى ذلك الآلة الخاصه بالولاده ، مما أدى إلى تمزق بسيط فى أربطة العنق ، مما جعل رأسه تميل فى ناحية دون الأخرى مده طويلة من الزمن . وكانت الرضاعه والفطام والمشى وما إلى ذلك كلها طبيعيه . وفى سن الثانية غمس الولد فجأة ذات مره فى الماء البارد فذعر ذعرا شديدا وصرخ صراخا مؤلما طويلا ، وسار منذ ذلك الوقت كثير البكاء ، فكان يبكى أحيانا من أول اليوم إلى أخره ، ولما كبر أرسل روضة الأطفال ، وفى يوم من الأيام ، وهو فى سن السادسة كان عائدا من الروضة فنبح عليه كلب كبير ، وجرى ورائه ، كذلك أن أصيبت أخته الصغرى فى حادث تصادم وذعر لهذا الحادث ذعرا شديدا وكانت لديهم قبل هاتين الحادثتين خادمة مصابه بالتعثر فى النطق ، وكان قد بدأ يقلدها ، وهذا هو مبدأ تعثره فى الكلام ولكنه أستمر فيه بعد ذلك إلى الوقت الحاضر . ويعطف الوالد كما قلنا على أبنه عطفا مبالغا فيه ، ويستثير همته ، ويستحثه ، ويشجعه على الإهتمام بعملة ، والتخلق بالرجولة ويظهر أن الولد قد بالغ فى ذلك مبالغة شديدة فى سن مبكره ترتب عليها أن الولد لم يتمتع كثيرا بما يتمتع به الأطفال من لعب ومرح وعدم حمل المسؤولية . ومما يدل على صحة هذا أنى كنت أحدث الوالد ذات مره على مسمع من الطفل قائلا : أنى أحب أن يلعب الولد قليلا فقال الوالد بصورة جدية ( ولكن ولدى لا يحب اللعب مطلقا ، وأنما يحب المذاكرة والعمل الجدى ) وبصعوبة كبيرة أمكن أقناع الوالد بوجوب تشجيع الولد على الإشتراك فى نوع من اللعب .

وأما حالة الطفل فى المدرسة فأنها طبيعية جدا ، إلا أن المدرسين والتلاميذ يرتكبون بعض الأخطاء فى تصرفاتهم معه ، فيحدث أحيانا أن يعيره بعض التلاميذ ، ويحدث كذلك أن يناديه أحد المدرسين بلقب ينتمى إلى العى . ومن أمثلة المدرسين أن عقدت العيادة لهم أجتماعا خاصا بهذا الولد للمناقشة فيما يجب عليهم أتباعه نحوه ، وفى صباح اليوم التالى دخل أحدهم الفصل ، وناداه وأبلغه بصوت مرتفع يسمعه بقية الأولاد أنه أضاع بالأمس ساعتين من الزمن فى إجتماع خاص ، وأنه سيعمل جهده لمساعدته وكان لهذا الحادث أثر مؤلم جدا فى نفس الولد وهدم كل ما كانت قد وصلت إليه العيادة من نتائج ملموسة .

ويمكن تلخيص الحالة بأنها حالة توتر عصبى شديد ناشئ من أحساس الولد بضعفه وعدم ثقته بنفسه لأنه يعامل من والدته التى تجيب طلباته . ويتبين إحتمال وجود هذا الضعف العصبى الوراثى مما ذكرناه . أنذا عن الأقارب .ومن الأسباب التى ساعدت على نجاح حالة التوتر فى تأثيرها فى الولد بالإضافة إلى ما قد يكون هناك فى ضعف عصبى وراثى – إحتمال وجود ضعف عصبى ناشئ من الصدمات المتكررة التى أصابته ، وهى عسر الولادة وحادثة غمسه فى الماء البارد ، وحادثه الإنزعاج من الكلب ، وحادثة الإنزعاج من صدمة أخته ، وتسرب الخوف من الظلام من والدته وجده ... إلى غير ذلك أما تقليده الخادمة فليس فى رأينا سببا أساسيا . وكل ما فى الأمر أن الخادمة ظهرت كعامل ملائم ومساعد للحالة النفسية الناتجة من مجموع العوامل الوراثيه ومجموع الصدمات السابقة ، ومن مجموع الإتجاهات المتخذة نحوه من والديه وأقاربه وزملائه ومدرسية ، ويمكن تصوير حالة الولد بأن العى ذاته يشعره بالضعف ، والعوامل المتعددة الأخرى تشعره كذلك بالضعف ، وفى نفس الوقت تستثير بعض هذه العوامل فيزداد التوتر ويزداد العى ، وتزداد الحالة سوءا .

ومما يدعم صحة هذا الإستنتاج أن الولد – وهو فى حالة عدم توتر داخلى – يتكلم بطلاقه فهو لا يتعثر فى أثناء اللعب ولا يتعثر عاده مع زملائه ، ولكنه يتعثر بشدة مع والديه ومدرسيه . يقول والده : أن الولد يتكلم فى أثناء أحلامه بطلاقه غريبة وإذا قرأ شيئا بصوت مرتفع فأنه لا يتعثر إلا إذا أحس أحدا قريبا منه ومما يدعم هذا الرأى أيضا أن الولد بقى يتحاشى مقابلة والده وجها لوجه مده طويلة ، لأن المدرسة أرسلت للوالد تبلغه أن الولد ضعيف فى اللغة الإنجليزية . فكان لهذا يحرص على أن يخرج من المنزل مبكرا فى الصباح قبل أن يستيقظ والده من النوم وكان الوالد فخورا جدا بشدة تألم أبنه من نفسه وخجله منه .

ويلاحظ أن أحساس الولد بضعفة هو الذى أدى فى الغالب إلى جعل الولد سلبيا قليل الإختلاط شديد الحياء ، شديد الخجل والخوف قليل الثقة بنفسه قليل الكلام ، خاملا . حساسا . سريع التأثر ن ويحرص على شعور الناس وعلى فكر الناس عنه حرصا لا يصدر عاده من الصغار مثله ،وحساسيته وخوفه من النقد أديا إلى جعله دقيقا فى عملة وفى ملبسة . ويحتمل جدا أن تكون دقة الولد مع نفسه ، ورقابته له طول الوقت ، عاملا مهما فى أحداث التوتر وتثبيت العى .

وأتجه العلاج أولا للناحية الجسمية بإستئصال اللوزتين . ثم أتجه للناحية النفسية بتعويده التكلم وهو فى حالة تراخ ، مما أعطى الولد ثقة كبيرة فى نفسه . وقد أكدنا على الوالدين وجوب تخفيف المراقبة ، ومنع القلق ، وتعويد الوالد الإعتماد على نفسه . وقد أشترك فى معسكر صيفى قامت به العيادة ، وأشترك فى ناد ليتمكن فيه من اللعب وحسن قضاء الوقت ، وليتمكن من النمو الإجتماعى المتزن . وقد تحسن بالفعل تحسننا كبيرا ، ولو أنه كان ينتكس بعض الشئ بسبب المرض أو الإجهاد أو رجوع الوالدين إلى ما تعوداه مه من معاملة . وقد تقدم الوالد بسبب نموه ، وتحسن صحته ، وكسبه ثقته فى نفسه - تقدما محسوسا أساسه أنه بذل بنفسه جهدا كبيرا شجعه عليه ما رأه من قدرته على التكلم السلس فى بعض المواقف .

وهناك حاله ثانيه تختلف عن سابقتها فى نوع شخصية صاحب الخالة . فبينما نجد صاحب الحالة الأولى حساسا منكمشا هادئا منقبضا قليل الجرأة ميالا للعزلة نجد صاحب هذه الحالة محبا للسيطرة ميالا للنقد والسخرية والتهكم كثير الكلام مرحا محبا للأتصال للغير ... إلى غير ذلك . وهو تلميذ فى سن الحادية عشر ، ذكائه فوق المتوسط وهو الأخ الأكبر لخمسة أخوه . وهو كما قلنا يميل إلى بسط سلطانه على أخوته ، شديد الخيال ويظهر هذا فى رسومه وقصصه ونكاته ، ويميل فى رسومه إلى تشويه صور الناس بدرجة بالغة .

وكان الولد يعيش فى القاهرة مع عمه وجدته فقط فى بيت ممل بالنسبة له كطفل يريد أن يلعب أحيانا ولا يجد من يلعب معه . والوالد على درجة كبيرة من الكفاية والذكاء والمرح ، إلا أنه قلق جدا على مستقبل أولادة . ويعتقد أن الزمن تغير كثيرا فما دام هناك أولاد ينالون الشهادة الإبتدائيه فى سن التسع سنوات ستكون المنافسة فى المستقبل شديده جدا ، ولذا تشعر معه أنه مسوق إلى دفع أولاده لسرعة التحصيل والتعلم . وهو يفعل ذلك بشئ كبير من القلق . الوالد متغير فى معاملة أولاده فهو يدللهم تدليلا شديدا فى سن معينه . فإذا جاوزوها وبدؤا سن التعلم أنقلب إلى شخص شديد صارم يقوم لأولاده بوظيفة المدرس رغم كثرة مشاغله ، ويتخلل تدريسه لهم ضربة أياهم بشدة وعنف . والوقت الذى يقوم فيه بالتدريس لأولاده وهو الوقت الذى يكون قد أنهكه فى العمل .

وقد لوحظ أن الوالد إذا سأل أحد أبنائه سؤالا ولم يجيب فى الحال فأنه ينهرهم بشده مزعجه وبذلك يتعثر الولد . وأما الأم فأنها سيده عادية فى كل شئ ، إلا أنها كثيرة النقد لأولادها . وهى تعلن أنها تحب البنات ولا تحب البنين . وينال صاحب الحالة بالطبع شيئا غير قليل فى تفضيل أخوته عليه .

وكانت ولادة صاحب الحلاة طبيعية ورضاعته طبيعية إلى أن جف لبن الأم فى الشهر الرابع من عمرة . وكان المشى والكلام والتسنين وعادات المأكل والمشرب والتبول والتبرز طبيعية إلا أن الولد أصيب بـ ( الباراتيفود ) فى سن الثالثة ، وبعد شفائه من قل كلامه ، وضعفت قدرته على التعبير فى مطالبه ، وصار كثير البكاء لغير سبب ظاهر ، وكانت أمه تضربة لبكائه ضربا شديدا وبدأت التهتهة فى ذلك الوقت .

أرسل الولد لمدرسة بنات فى سن الرابعة والنصف ، وكان الولد الوحيد بها ، وكان متضايقا من هذا الوضع ، ولكنه أبقى بها رغم أنفة سنة ونصف السنة . وبعد إتمام تعليمة فى المدرسة الإبتدائية أرسل إلى القاهرة ليعيش مع جدتة وعمة . وقام عمة بتشديد الرقابة علية لدرجة بالغة حتى لايكون ملوما ، وكان الولد يعمل كل شئ تقريبا ضد ما يرغب .

ويمكن تلخيص الحالة فى أن مرض الولد بـ ( الباراتيفود ) ربما يكون قد أضعف صحتة العامة ضعفا جعلة حساسا شديد التأثر . ولو كان قد عومل فى ذلك الوقت برفق وصبر ، وحجز فى البيت مدة كافية لإسترداد صحتة تماما قبل إرسالة للمدرسة . ثم أن ذهابة لمدرسة البنات – وهو لايحب البنات ، لأنهن مفضلات عند أمة على البنين – كان مصدر ألم مستمر له . كذلك معملة والدة المتقلبة من اللين إلى الشدة ، وقلق الوالد على تعليم أولادة ، وتعجلة إياهم فى الكلام ودفعهم فى التعليم دفعا فيه شئ من العنف كل ذلك كان لة أثرة فى الولد ، خصوصا أنة الأكبر ، وقد كان نصيبة من كل ذلك أوفر من نصيب أى واحد من إخوته.  ولم نصل مع هذا الولد إلى نتيجة مرضية لعدم كفاية ما حدث بينة وبين العيادة من إتصال ، ولو أن المعاملة التى عومل بها فى معسكر العيادة – الذى سبقت الإشارة إلية أدت معه ألى نتائج طيبة ، ولكنها لم تدم لإنقطاع صلته بالعيادة بعد ذلك .

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

مواضيـــع متشـــابهة

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha