سلوك المحافظة

 

اتخذ بياجه منهجاً نمائياً لدراسة التعلم الإنساني، فحاول تتبع نمو التفكير لدى الأطفال من الرضاعة للمراهقة. يعتقد بياجه أن الطفل يتعرف على العالم من حوله بالإخضاع التصاعدي للإدراك لسلطان العقل، وهو ما يميز سير العلم عموماً. فليست كروية الأرض بأمر واضح في ذاته، بل لا بد من استنتاجها من بعض الإمارات مثل ظلال الأرض على القمر واختفاء المراكب عبر الأفق. ولقد استغرقت البشرية آلاف السنين للتغلب على انطباعاتها الإدراكية بصدد انبساطية الأرض ودوران الشمس حولها.

ولمعرفة ما يخضع من عالم الطفل للإدراك وما يخضع منه للمنطق، صمم بياجه بعض مهمات المحافظة حيث يجابه الطفل بموقف تتعارض فيه الأحكام الإدراكية والمنطقية. تعاون بياجه مع رفاقه لتصميم مهام حفظ متباينة لعدد من المفاهيم تشمل العدد، والمكان، والزمان، والكمية، والحركة، والسرعة. وعلى العموم، لم يبد أغلب اطفال ما دون السابعة أي ميل لسلوك المحافظة في أي من المجالات السابقة. ويعتقد الباحث أن أطفال ما قبل المدرسة تعوزهم القدرة العقلية أي قدرات التفكير، للتغلب على الأوهام التي تتجسد في الإدراك. وبعبارة أخرى، فإن ما يسيطر على تفكير الطفل في المرحلة الأولى من نموه هو معطيات الإدراك الحسي التي لا تدع له فرصة تأويلها أو التفكير فيها. لذلك فإن الطفل يدرك الموجودات كما تبدو له ظاهراً. ولكي يصل الطفل الى أحكام صحيحة على الأشياء المدركة لا بد له من أن يصل الى مفهوم المحافظة أو الثبات، ذلك المفهوم الذي يسمح له بإدراك الموجودات على أساس من التصنيف والتنظيم والفهم لخصائص الأشياء والكميات. كررت تجارب بياجه في أرجاء مختلفة من العالم وأعطت نتائج مذهلة. من طرف آخر ادّعى بغض الباحثين أن لصغار الأطفال قدرة أكثر مما عترف لهم به بياجه.

ثمة مشكلتان جذبتا الانتباه خاصة وهما: الاستدلال التحويلي ومفهوم الطفل الصغير عن العدد. يعرض بياجه على الأطفال ابريقين مليئين بنفس القدر من عصير البرتقال، الى جانب ابريق ثالث فارغ طويل وضيق. ويسأل الطفل عما إذا احتوى الابريقان الأولان نفس القدر من الشراب. وما أن يقتنع الطفل بتساوي الشراب في الإبريقين، حتى يعمد الباحث الى صب أحد الإبريقين في الإبريق الرفيع الطويل ويسأل الطفل إذا كان الإبريق الثالث يضم نفس كمية الشراب التي يضمها الإبريق الأول. يتوهم الطفل أن في الإبريق الثالث شراباً أكثر مما في الأول. وعلى الطفل، للتغلب على وهمه، أن يستخدم المنطق ويؤكد تساوي الكميتين. وهكذا تعطي إجابة الطفل المتمثلة بتساوي الكمية دليلاً على أن الطفل قد تطور واكتسب مفهوم الثبات. أما الإجابة المتمثلة بزيادة إحدى الكميتين على الأخرى فتدل على تباطؤ نمو الطفل في مفهوم الثبات.


  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

مواضيـــع متشـــابهة

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha