تعلم التفريق

 

يعدّ تعلم الطفل التعرف على هويات الأشياء المدركة وتمييزها بعضها من بعض أساسياً للنمو العقلي له، إذ يشكل التمييز بين خواص الأشياء الخطوة الأولى في تعلم المفاهيم التي تعرف بأنها استجابات عامة لمثيرات متباينة. سبق إن أشرنا الى بعض جوانب التفريق في مناقشتنا للإدراك، وسوف نركز الشرح هنا على الجوانب التعليمية للتفريق.

تبين الدراسات أن تغيراً كيفياً في تعلم التفريق يحدث بين عمري الرابعة والسادسة . وفي إحدى التجارب على التحويل العكسي والتحويل الزائد البعد درب المبحوثون في المرحلة الأولى على التفريق عبر بعد واحد فقط كاللون وعلى إهمال الفروق في البعد الآخر، أي الشكل. كان المبحوثون بعد أن يجيدوا التفريق بتعزيز الإجابة الصحيحة وعدم تعزيز الإجابة الخاطئة يتعرضون لإحدى مشكلات التفريق. وفي المرحلة الثانية من التجربة عدلت الشروط، وكان على المبحوثين التفريق عبر بعدي اللون والشكل على السواء. فأصبح اللون الأبيض (الذي كان من قبل خاطئاً) صواباً واللون الأسود (الذي كان من قبل صواباً) خاطئاً، وجعل البعد الآخر، وهو الشكل الذي كان من قبل زائداً، منتمياً. أظهرت التجربة أن مصاعب صغار الأطفال والحيوانات في التحويل العكسي أكثر من نظيرتها في التحويل الزائد البعد، خلافاً لكبار الأطفال والراشدين الذين استسهلوا التحويل العكسي على التحويل الزائد البعد. يرجع السبب في ذلك، كما يرى الباحثون، الى أن التعلم التفريقي يعني بالنسبة للأطفال الصغار، تعلم شيء ما حول مثير ما، إما بالنسبة لكبار الأطفال والراشدين، فإنه يعني تعلم مفهوم أو استجابة وسيطة. فيتعلم الصغار إن (أسود) صواب وأن (أبيض) خطأ، أما الكبار فيعدون (اللون) على ميلهم للإستجابة (للأسود)، خلافاً للكبار والراشدين الذين ليس عليهم أن يغيروا استجابتهم (للون) لكونه البعد الملائم. يحدث نقيض ذلك في التحويل الزائد البعد، فليس على الصغار تغيير استجابتهم السلبية (للأبيض) إذ إن ثمة بعداً آخر قد أضيف، إلا أن الكبار الراشدين يضطرون للاعتراف بأن البعد الإيجابي السابق قد تحول الآن سلبياً وبالعكس.

يستلزم التعلم التفريقي بالنسبة لكبار الأطفال والراشدين، إذن، تعلم مفهوم أو استجابة وسيطة (اللون والشكل في المثال السابق) وذلك بخلاف صغار الأطفال الذين يتعلمون "تفريق هذا الشيء عن ذاك بتأثير هذا المثير أو ذاك". ليس من الضروري أن تكون الإستجابة الوسيطة التي تدل على إنجاز كبار الأطفال والراشدين لفظية دائماً. يؤكد بياحه أن تخلف صغار الأطفال في التفريق قد يرجع الى نقص في القدرة على استخدام الوسيط، أو الى النقص التوليدي. ففي موقف معين قد يعجز الفرد عن إداء الإجابة لعدم معرفته بمفهوم ما وهو نقص في القدرة على التوسط، وفي موقف آخر قد يعجز الفرد عن إداء الإجابة لعدم ربطه للمفهوم بغيره من المفاهيم، أي أن الطفل لا يفكر بالكلمة من حيث صلتها بالتعريف وهذا هو النقص التوليدي. في دراسة أخرى تسمى "تغيير الوضع"، درب الأطفال على الاستجابة لأكثر من مثيرين، مثل الدائرة الأكبر في زوج من الدوائر. وفي مرحلة الاختبار عوضت الدائرة الأصغر من الزوج الأصلي بدائرة أخرى أكبر من الاثنتين الأساسيتين فما هي الدائرة التي اختارها الطفل في هذه الحالة الدائرة الأصلية أم الدائرة الأكبر؟. وبصورة أدق، هل تعلم الطفل الاستجابة خلال تعلم التفريق لمثير محدد أو للعلاقة بين المثيرات.

تتوقف الإجابة عن هذا السؤال جزئياً على المسافة بين المثير الذي استخدم في الأصل لتدريب الطفل والمثير المستخدم لاختباره. يقيم صغار الأطفال اختيارات علائقية عندما يكون المثير المقدم حديثاً، أي الدائرة، أكبر كثيراً من المثير الأصلي. لكن، عندما لا يكون المثير المذكور أكبر كثيراً من المثير الأصلي فإنهم يختارون المثير الأصلي ولا يعودون يستجيبون على أساس علائقي. يبدو، إذن، أنه في حالة تحويل توضعي كبير، تقوم الحاجة الى وسيط رمزي مشابه لنظيره في التحول العكسي. من الممكن التأكيد أن في مقدور أبناء الثالثة أداء اختيارات ذات فروق ضخمة أن هم دربوا على الاستجابة اللفظية للعلاقات ليس كافياً. والوسيط اللفظي يستدعي أكثر من مجرد القدرة على قول الكلمة أو تردادها ويتطلب غالباً قدرة توليدية تعوز أبناء ما قبل المدرسة.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

مواضيـــع متشـــابهة

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha