التحسن الطويل المدى للتعلم ، والقدرة على حل المشكلات "ج2"

التحسن الطويل المدى للتعلم ، والقدرة على حل المشكلات "ج2"

للوقوف على أهم الموضوعات التي تناولها علم النفس التربوي خلال تاريخه القصير، لدى قيامه بمسح الموضوعات التي انطوت عليها كتب علم النفس التربوي والبالغة مئة كتاب عام 1971، حيث تبين أن أكثر الموضوعات توافراً هي:

1 ـ النمو الجسمي والانفعالي والمعرفي والاجتماعي والخلقي.

2 ـ التعلم ونظرياته وطرق قياسه والعوامل المؤثرة فيه.

3 ـ انتقال أثر التعلم والاستعدادات وطرق التدريس وتنظيم المواقف التعليمية.

4 ـ الذكاء والقدرات العقلية وسمات الشخصية وقياسها.

5 ـ التحصيل وأسس بناء الاختبارات التحصيلية، وشروط الاختبارات النفسية والتربوية.

6 ـ التفاعل الاجتماعي بين الطلاب وبين الطلاب والمعلمين.

7 ـ الصحة النفسية للفرد والتكيف الاجتماعي والمدرسي.

ينطوي كل موضوع من هذه الموضوعات على عدد من الموضوعات الفرعية المرتبطة بها، وتشير إلى مزيج مختلط ومتباين، ينتمي في معظمه إلى ميادين علم النفس الأخرى، وقد يعود ذلك إلى المفهوم القائم لعلم النفس التربوي آنذاك، حيث «يتوقف هذا المفهوم على تصور كلي يرى وجود نماذج بين كل موضوع تربوي وكل موضوع نفسي» أبو حطب وصادق (1980) الأمر الذي حال دون تحديد موضوع هذا العلم على نحو دقيق.

وينحو أوزوبل (1978) منحى أكثر دقة وصلة بالعملية التعليمية ـ التعلمية في تحديده لموضع علم النفس التربوي، حيث يحدده بمشكلات التعلم التالية:

1 ـ اكتشاف تلك الجوانب من عملية التعلم والتي تؤثر في اكتساب المعارف أو المعلومات والاحتفاظ الطويل المدى بها.

2 ـ التحسين ذو المدى الطويل للتعلم والقدرة على حل المشكلات.

3 ـ اكتشاف أي من الخصائص الشخصية والمعرفية للمتعلم ذات العلاقة بالتعلم واكتساب المعرفة، وكذلك اكتشاف أي من الجوانب الاجتماعية والعلاقات الشخصية المتبادلة في البيئة التعليمية التي تؤثر في نتائج تعلم المادة الدراسية واكتشاف عوامل دافعية التعلم والطرق النموذجية لاستيعاب هذه المادة.

4 ـ اكتشاف الطرق الأكثر كفاءة في تنظيم المواد التعليمية وتقديمها، وكيفية توجيه التعلم واستشارته نحو أهداف محددة.

يتضح من الموضوعات التي يطرحها أوزوبل إمكانية استنتاج موضوع علم النفس التربوي على نحو مباشر من المشكلات التي تواجه معلم الصف أثناء قيامه بعملية التعليم، بحيث يمكن القول بأن الجوانب النظرية العامة للتعلم تقع في ميدان علم النفس، بينما يقع التعلم المدرسي في ميدان علم النفس التربوي، لأنه يحدث في سياق اجتماعي معين. لذا يقوم الباحثون ف هذا العلم باكتشاف المبادئ والطرق والوسائل ذات العلاقة بالتعلم المدرسي والتي يعمل على استثارة دافعية الطلاب وتساعدهم على التحصيل الأكاديمي، وذلك من خلال التعرف على العوامل الهامة التي تؤثر في تعلمهم، وعلى أنواع التعلم القادرين عليها واليت تتفق مع خصائصهم الشخصية والمعرفية المختلفة.

وبالرغم من أن هذا التحديد لموضع علم النفس التربوي ذو صلة وثيقة بالعملية التعليمية ـ التعلمية والمشكلات الناجمة عنها، إلا أنه لا يعطي تصوراً متكاملاً للمكونات الأساسية لهذه العملية، يتضح من خلاله تفاعلها وتكاملها في كلٍ موحد. لهذا لجأ بعض علماء النفس التربوي المعاصرين إلى استخدام مفهوم «النموذج» لتوفير مثل هذا التصور، وسعياً وراء تحديد أدق لموضع هذا العلم، حيث اعتبروا التعلم المدرسي وما ينتج عنه من مشكلات، الموضوع الرئيسي له.

ويشير مفهوم المنظومة أو «النموذج» عادة، إلى مجموعة من العلاقات المنظمة والمتفاعلة فيما بينها، وتربط بين عدد من العناصر أو المكونات التي تشكل كلاً أو نمطاً موحداً ومتكاملاً ويؤدي وظيفة معينة. وتساعد معالجة العملية التعليمية ـ التعلمية كمنظومة، في تحديد موضوع علم النفس التربوي على نحو أكثر دقة من المعالجات التي سادت من وقت لآخر في تاريخ هذا العلم. وربما تفي المنظومة التي وضعها جودوين وكلوزماير (Gooduin and Klausmeier, 1975).

تؤدي هذه المنظومة عدداً من الأهداف الهامة هي:

1 ـ تبين المكونات الأساسية لموضوع علم النفس التربوي، وهي: الأهداف، ومدخلات الطلاب، وعمليات التعلم وأنواعه، والتقويم.

2 ـ تبين مدى تداخل هذه المكونات وتفاعلها فيما بينها.

3 ـ تشير إلى العملية العقلانية التي يتناول فيها علم النفس التربوي موضوعاته من حيث تحديد الوسائل والغايات بوضوح، وكذلك تحديد العلاقات الطبيعية التي ترتبط بينها.

4 ـ توفر للمعلم أسلوباً منظماً يمكن من إدراك المفاهيم الأساسية لعملية التعلم، كما يمكن من ضبط هذه العملية وبيان مدى نجاحها في تحقيق الأهداف المرغوبة.

5 ـ تعطي فكرة واضحة عن الاستراتيجية المتبعة في تنظيم مواد هذا الكتاب.

ويرى جودوين وكلوزماير أن هذه المنظومة تنطوي على جانبي قوة وضعف، حيث يتجلى جانب القوة في السهولة التي تمكن المعلمين والمعنيين بالشؤون التربوية والتعليمية من إدراك الأسس والمفاهيم التي تقوم عليها عملية التعلم، أما جانب الضعف فيتجلى من خلال التبسيط الزائد لهذه العملية المعقدة، لما تنطوي عليه من المتغيرات المتنوعة والمتعددة، والتي تتفاعل فيما بينها، وتؤثر بشكل أو بآخر في التعلم ونتائجه، الأمر الذي يصعب معه إجمالها في مثل هذه الطريقة. بيد أن هذا الضعف لا يعني بالضرورة الحيلولة دون تحقيق الأهداف السابقة، التي تعتبر هامة لكل معني في الميدان النفسي والتربوي. وفيما يلي مناقشة لكل من المكونات الأربعة التي تشتمل عليها المنظومة وتكون الموضوع الرئيسي لعلم النفس التربوي.

 

أ ـ الأهداف التعليمية: Instructional Objectives

من المفترض أن لا يبدأ المعلم عمله إلا بعد تحديده للأهداف التي يرمي إلى تحقيقها من خلال تدريس مادة معينة، أي يجب عليه أن يحدد مسبقاً التغيرات السلوكية التي يهدف إلى إحداثها عند طلابه. ويساهم علم النفس التربوي بطرق عديدة ومتنوعة في عملية وضع الأهداف، حيث يبحث في مصطلحاتها وطرق صياغتها، وآثارها في التحصيل، كما يبحث في أنواعها وطرق تصنيعها، الأمر الذي يسهل على المعلم مهمة تحديد أهدافه وصياغتها وتقويمها.

 

ب ـ مدخلات الطلاب: Students Inputs

تؤثر خصائص الطلاب الراهنة وما اكتسبوه من سلوك سابق في تعلمهم اللاحق وطرقه. وهذا يفرض على المعلم مهمة التعرف على تلك الخصائص التي يتسم بها طلابه وتؤثر في قدراتهم على التعلم. ويساهم علم النفس التربوي إلى حد بكير في دراسة وتحديد أكثر الخصائص أهمية وتأثيراً في التحصيل وقابلية للقياس. كالقدرات العقلية المتنوعة ومستوى النمو، والخلفية الاقتصادية ـ الاجتماعية والثقافية، ومستوى الدافعية والتحصيل.

ويقدم علم النفس التربوي الكثير من المعلومات والطرق التي تمكن المعلم من الاستفادة من هذه الخصائص في مجال اختيار الأهداف، مما يشير إلى عدم انفصال مدخلات الطلاب عن عملية اختيار الأهداف وصياغتها، وهذا ما يدل عليه السهم المتجه من الخطوة الثانية إلى الخطوة الأولى، لأن الأهداف توضع عادة بالاستناد إلى نتائج الدراسات والبحوث التي تتناول خصائص الأطفال في مراحل نموهم المختلفة، وبالاعتماد على العمليات المناسبة التي تمكنهم من تحقيق مستويات النمو الخاصة بهم، وهذا يتيح إمكانية سبق عملية قياس خصائص الطلاب على عملية تحديد الأهداف، ولكن من المألوف وضع الأهداف أولاً، لأنها تتناسب مع أهدفا المنهاج التعليمي والسياسة التربوية المعتمدة.

وإن تزويد المعلم بالمعارف المتعلقة بخصائص الطلاب وارتباطها بتعلمهم، كالمعارف الخاصة بالعلاقة بين القدرات العقلية المتنوعة والتحصيل، والعوامل البيئية والوراثية المؤثرة في هذه القدرات، وكالعلاقة بين بعض سمات الشخصية ـ كالواقعية ومستوى الطموح، والتعلم، وطرق استثارتها وعوامل تكونها، يسهل على المعلم أداء مهمته، كما يسهل عملية التعلم عند الطلاب، ويجعل العلمية التعليمية ـ التعلمية أكثر نجاحة، وبتعبير آخر، يساهم علم النفس التربوي في فهم خصائص الطلاب، وطرق التعرف عليها وتحديدها، وفي الكيفية التي تؤثر من خلالها في التعلم. 

وللوقوف على خصائص الطلاب أو مدخلاتهم السلوكية، يقترح أوتو وماكمينمي ثلاثة مستويات لتشخيصها، هي:

 

1 ـ مستوى التشخيص المسحي: Survay Diagnosis

ويشير إلى عملية غربلة صفية يقوم بها المعلم ذاته بهدف التعرف على الطلاب غير القادرين على إنجاز الأهداف التعليمية الموضوعة، ويستخدم فيها الاختبارات التحصيلية واختبارات القدرات العقلية، كما يعود إلى ملفات الطلاب للوقوف على مستواهم الثقافي والاقتصادي ـ الاجتماعي وسجلهم التراكمي، بحيث يستطيع تحديد قدراتهم الكلية على العمل والإنجاز، وتعيين الذي يحتاجون إلى مستويات أدق من التشخيص. ويطبق هذا المستوى من التشخيص في غرفة الصف وعلى نحو جماعي.

 

2 ـ مستوى التشخيص المحدد: Specific Diagnosis

يهدف هذا النوع من التشخيص إلى التعرف على الفروق الفردية التي تسبب الضعف التحصيلي عند بعض الطلاب، بحيث يجيب تحديد استجابات المتعلم الحقيقية بشكل دقيق للوقوف على المعوقات التي تحول دون قدرته على إنجاز الأهداف التعليمية. ويطبق هذا التشخيص على نحو فردي ويقوم به معلم الصف أو المرشد النفسي أو المختص في علم النفس التربوي بالمدرسة.

 

3 ـ مستوى التشخيص المركز: Intensive Diagnosis

يسعى هذا المستوى إلى التعرف على الطلاب المتخلفين عقلياً ويحتاجون إلى برامج علاجية وتعليمية خاصة، ويقوم به عادة عالم النفس التربوي أو الإكلينيكي أو المعالج النفسي، ويستخدم فيه العديد من الاختبارات للوقوف على أسباب التخلف ومظاهره وطرق علاجه.

 

ج ـ تخطيط النشاط التعليمي وتنفيذه:

ينطوي المكون الثالث لمنظومة العملية التعليمية ـ التعلمية على النشاطات ذات العلاقة بالتعلم وأنواعه بأساليب التعليم المختلفة، إذ يجب على المعلم أن يشكل تصوراً واضحاً عن طبيعة التعلم، للوقوف على المبادئ الأساسية التي تحكم عملية الاكتساب عند الطلاب، والتي يمكن من خلالها التأثير في سلوك الفرد وتغييره. ويقوم علم النفس التربوي بتزويد المعلمين والمهتمين بالأمور التربوية، بأنواع مختلفة من هذه المبادئ، مبيناً مدى فعاليتها وملاءمتها للأوضاع التعليمية المختلفة، ويعود تنوع هذه المبادئ إلى تنوع السلوك البشري ومستوياته التي تختلف باختلاف النمو الجسمي والانفعالي والعقلي للفرد.

وبالإضافة إلى ضرورة التعرف على طبيعة التعلم وأنواعه، يجب على المعلم أن يكون قادراً على اختيار أسلوب التعليم المناسب ذي العلاقة بالمادة الدراسية موضع الاهتمام وقدرات الطلاب المتنوعة. ويقوم علم النفس التربوي في هذا المجال بمساعدة المعلم على اختيار أكثر الأساليب التعليمية فعالية في تحقيق الأهداف التعليمية، وذلك من خلال بيان العلاقة بين أنواع التعليم وأساليب التعليم، وتحديد العوامل التي تؤثر فيها، مما يسهل العملية التعليمية ـ التعلمية بالنسبة للمعلم والطالب على حد سواء.

 

د ـ التقويم Evaluation

يشكل التقويم المكون الرابع والأخير من العملية التعليمية ـ التعلمية، ويتناول معرفة مدى تقدم الطلاب من حيث تحقيق الأهداف، إذ يجب على المعلم أن يعرف ما إذا كان الطلاب قد تعلموا أم لا، أي يجب أن يقف على التغير الذي يطرأ على سلوكهم نتيجة التعلم. بيد أن هذا ل يعني أن التقويم مرتبط بالأهداف فقط، بل يرتبط أيضاً، وعلى نحو وثيق، بالمكونين الآخرين لعملية التعلم، وهما مدخلات الطلاب وتخطيط النشاط التعليمي وتنفيذه، لأن التقويم عملية مستمرة تبدأ قبل تنفيذ النشاط التعليمي وترافقه وتتلوه. أي هناك تقويم قبل التعليم، وتقويم أثناء التعليم، وتقويم بعد التعليم.

ويوفر علم النفس التربوي بعض المعارف والأفكار التي تساعد المعلم على القيام بعملية التقويم هذه مبيناً أنواع التقويم المفضلة في الأوضاع التعليمية المختلفة، وأدوات القياس المتنوعة التي تتلاءم مع هذه الأوضاع، بحيث تتوافر صورة واضحة لدى المعلم، تمكن من معرفة سير عملية التعليم، إذ يقف على الجوانب التي حققت الأهداف، والجوانب التي يجب متابعتها أو تعديلها، والجوانب التي يجب الاستغناء عنها.

ولابد من الإشارة، بعد استعراض مكونات موضوع علم النفس التربوي، إلى أن جهود العلماء والباحثين في هذا العلم تتركز في معظمها على دراسة العلاقات المختلفة القائمة بين متغيرات هذه المكونات، إذ ينطوي كل منها على عدد متنوع من المتغيرات التي قد تؤثر وتتأثر بمتغيرات المكونات الأخرى، فالهدف التعليمي (التغيرات المرغوب إحداثها في سلوك الطلاب) يرتبط بشكل أو بآخر بمدخلات الطلاب (كالذكاء، وسندي التحصيل، والدافعية) وبنوع التعلم (كالتعلم الإشراطي أو المعرفي) وبأسلوب التدريس (كالمناقشة أو المحاضرة أو الاستكشاف) وبالتقويم (الوقوف على التغير الذي طرأ على سلوك الطلاب نتيجة العملية التعليمية والتعلمية).

إن التعرف على طبيعة هذه العلاقات المتداخلة والمتفاعلة، يزود المعلم بالمعلومات الضرورية التي تمكنه من أداء مهامه التعليمية على النحو الأفضل، وتمكنه من اتخاذ القرارات المناسبة في عمله الصفي، وإيجاد الحلول الملائمة لما قد يعترضه من مشكلات لدى قيامه بهذا العمل.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

مواضيـــع متشـــابهة

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha